الخميس، 23 فبراير 2012

مجرد تنفيس!

تصلني في كل يوم عشرات الرسائل من قراء وقارئات يطلبون فيها الحديث عن قضايا ومشاكل معينة، وبعضهم يشكو ظلماً وقع عليه من إحدى الجهات الحكومية، أو من مديره المباشر. وغالباً ما تكون الشكوى بسبب المحسوبيات كالحرمان من الترقيات والدورات، ومنح الموظف تقييما لا يتناسب مع جهده الحقيقي في العمل، وكذلك تعامل بعض المدراء مع الموظفين بمزاجية شديدة، وسرقة جهد الموظف أحياناً ونسبته لأنفسهم.
وحينما أطلب من المرسل بعض المعلومات حول القضية، أو اقتباس جزء من رسالته للاستدلال بها في المقالة يرفض بشدة، وبعضهم يرسل طالباً أن أقسم له بالأيمان المغلظة ألاّ أتحدث عن إدارته لا من قريب ولا من بعيد، وكذلك عدم اقتباس أي شيء من رسائله.
قبل أيام أرسلت إحدى القارئات رسالة طويلة تشكو فيها مديرتها في المدرسة، وتمييزها بين المعلمات على أسس غير منطقية أو تربوية أو تعليمية، وحينما اقترحت عليها اقتباس شيء من رسالتها فزعت وأرسلت لي تطلب تناسي الموضوع خوفا من فقدانها لوظيفتها، التي هي مصدر دخلها الوحيد، وختمت رسالتها بعبارة “لا أملك سوى الصبر”.
إن حالة الخوف التي تغزو قلوب الكثير من الموظفين والموظفات مبررة فبعضهم يخاف من مديره المباشر، أو يخاف من العقوبات والمضايقات التي قد تحصل له في حال علمت إدارته بتلك الشكوى.
فيفضل الانتظار والشكوى للمقربين له، أو في الرسائل للأصدقاء، لتبقى تلك المعاناة حبيسة الصدور وتبقى تلك الرسائل مجرد تنفيس، منتظرين الفرج دون أن يسعوا له، ولكن سنة الله الكونية تقول: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” صدق الله العظيم.

السبت، 26 نوفمبر 2011

طفولة مهدورة على رصيف الفقر

طفولة-فقربعد يوم عمل شاق رجعت لمنزلي وأنا أحلم في الطريق بحمّام بارد ينعش جسدي  ولكن تلك الأحلام تبددت وتبخرت كما يتبخر السراب من عيني العطشى حينما وجدت أمامي سلسلة لا تنتهي من السيارات بل مئات السيارات التي تمتد على مد البصر وكدت اختنق من صوت تلك الأبواق التي لا تهدأ
- يا إلهي سوف أتأخر عن موعد الغداء.
تنهدت باستسلام وبقيت أعد الدقائق والثواني بانتظار الفرج ,أسرق النظرات باتجاه السيارات المتوقفة وتلك الوجوه البائسة التي تتنقل بين السيارات تحت لهيب الشمس الحارقة تبيع قناني الماء والمناديل
نظرت باتجاه السائق الذي كان يتصبب عرقاً رغم التكييف ووجه المحمر يظهر مدى غضبه
كانت عقارب الساعة قد تجاوزت الواحدة والربع وتلك السلسلة تتحرك ببطء شديد
ما الذي يحدث هل توقف الزمن؟
أرجعت رأسي إلى الوراء وأنا أفكر بسريري الوثير وأحلم بالنوم حتى المساء  وصوت العصافير على شرفتي تتمايل طربا وتشدو أعذب الألحان و..
وفجأة سمعت صوت ارتطام  وشاهدت أولئك الطفيليين يتراكضون باتجاه السيارات المتصادمة
رفعت رأسي ووجدت السائق يتحدث مع احد الأشخاص العابرين  ثم التفت وهو يقول بحزن :
- سيدتي يبدو أن هناك حادث في الطريق ربما نتأخر
- والحل؟
- لا نملك سوى الصبر
- حسناً
شعرت بالغضب الشديد يثور في داخلي وبدأت أفكر بأمي ومدى رغبتي بالوصول إليها
لا اعلم لما اجتاحي شعور عارم بالحنين والرغبة في الارتماء بحضنها
كنت جالسه بالقرب من النافذة أفكر حينما تعالت أصوات طرقات على النافذة أخرجتني من أحلامي
نظرت بغضب باتجاه الطارق وأنزلت الزجاج متذمرة من هذا البائع اللحوح:
- ماذا تريد؟
- سيدتي هل تريدين شراء عقد من الفل؟
- لا شكرا
- مقابل كل عقد سوف أقول لك قصيدة
نظرت بدهشة باتجاه ذلك الطفل الصغير وجسده النحيل الذي يحمل عشرات من العقود
أكاد اجزم انه لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره,بقيت أتأمل شكله البائس وملابسه المتسخة و بنطاله البني الذي يمتلئ بالرقع وقميصه الأبيض الذي تعلوه كوفية خضراء
- كم عمرك؟
- في الشهر القادم سوف أكون في الثالثة عشر من عمري
- من أي بلد أنت؟
نظر لي بتذمر ثم قال :
- هل ترغبين بالشراء؟
- ربما ..أين والدك ؟
- لقد رحل لمدينة أخرى وتزوج وأنا الآن مسئول عن والدتي وأخوتي الصغار
- إذاً أنت رجل البيت
ابتسم ثم قال
- نعم ..أنا كذلك
وفجأة قفز باتجاه السيارة المقابلة وبدأ يعرض عليهم الفل
يا إلهي رغم بؤسة وفقره ما يزال يبتسم  ويشدو بالشعر !
ما الذي يفعله هذا الطفل في هذه الأجواء ؟
شعرت بالحزن على هذا الصغير الذي يتنقل بين السيارات كالفراشة دون كلل أو ملل والشمس الحارقة تكاد تصهر الحديد فكيف ببني البشر
والتكييف داخل المركبات لا يكاد يحمينا من لهيب الشمس الحارقة
كانت الابتسامة لا تفارق وجهه, يحرك يديه بخفه و رشاقة ويشير للسيارات بعقود الفل وهو يتغنى عالياً بأبيات الشعر وبصوت عذب
أخرجت  النقود من الحقيبة وقد عقدت العزم أن اشتري منه  
أشرت له بالاقتراب :
- هات كل عقود الفل
نظر لي بدهشة ثم ابتسم وهو يقول:
- سيدتي هل تعشقين الفل لهذه الدرجة؟
- بل اعشق الشعر
ابتسم حتى كشف ثغره عن أسنان بيضاء كاللؤلؤ وقال ضاحكا :
- حسنا سيدتي .. لقد حفظت مئات القصائد
بدأ يشدو بأعذب القصائد حتى ظننت نفسي قد عدت بالزمن لمجالس الولَادة بنت المستكفى  ثم  عدت لديار نجد حيث وقف عنترة يبكي رحيل عبلة وغدر الأهل والأصحاب
حتى استفقت على صوت السائق وهو ينهر الطفل ويطالبه بالرحيل فقد بدأت السيارات بالتحرك
اقترب الصغير من زجاج النافذة وهو يخرج نقود من جيبه
- سيدتي ..الباقي
- لا احتفظ بالمال لك
- شكرا
ودعته وأنا اشعر بشفقة على حاله وهو يهرول بين السيارات  حتى اختفاء بين الجموع وبقيت أنظر للفل بين يدي والعبرة تكاد تخنقني
وبدأت اردد قصيدة الشاعر محمد عبد السلام منصور
من يشتري الفل نادى الطفل وابتسما
عن نظرة أرهقت في صمتها الألما
يجري ويطفر كالعصفور.. منتعلاً
توقُّد الشمس والإسفلت مضطرما
يسابق الفارهات الهوج يسرقه
ضوء الإشارة حتى جرح القدما
يجري بأتعس ما فيه وأنبلِه
ومضِ الطفولة والحزنِ الذي كتما
يا بائع الفل نادت حلوة فمضى
نحو المليحة كالصوت الذي قدما
من يشتري الفل؟ واجتاحته قاطرة
وزهره فتشظَّى فرحة ودمـا
هل بسمة الفل فرت من ملامحه
أم فاضت الروح بالحزن الذي انحطما
يسائل الوهم ما تعني نهايته
وأسأل الفل: ما المعنى إذا سلما؟
والعمر في الوطن المقهور أكرمه
قصيرة وكريم الأقصر انعدما

الثلاثاء، 7 يونيو 2011

رحيل الطائر

jjjj

حينما ولد سعد لم يكن له أب، فقد تركه والده صالح وهو لا يزال جنين في بطن أمه.نبذه كما نبذ أمه منيره من قبله، واختار الرحيل لأمريكا هرباً من ابنة عمه التي تزوجها ولم يشعر نحوها بأي حب، ومن مجتمعا لم يجد نفسه فيه.
لم يمضي على زواجهما سوى شهران حينما زفت منيرة لصالح نبأ حملها، فعاجلها برغبته في الانفصال والرحيل من البلاد. تشنجت وكادت أن تقع وتتهاوى كشظايا كتلة أدمية متناثرة على الأرض، بعد سماع كلماته وصداها وهو يتردد على أذنيها كأصوات التصعيد في سيمفونية أراد قائد الفرقة أن تصم الأذان ليصل بها لنهايتها.
- الطلاق؟
- نعم ..ننفصل بهدوء.
- والسبب؟
- لا يوجد سبب.
- متزوج من غيري؟
- لا ..لكن زواجنا كان غلطه كبيرة.
وما كادت تسمع منيره كلمات أبن عمها حتى أصيبت برعشة في جسدها واختفى صوتها ووقعت على الأرض مغمى عليها.
وفي المساء حضر والدها ليأخذها معه، خرجت من المنزل وهي تشعر بأن روحها قد سلبت منها، فقد أحبت صالح وشغفت به إلى درجة أنها كانت على استعداد لأن تضحي بحياتها من أجله.
شعرت وهي تسير مبتعدة عن بيتها وكأن أركان حياتها قد تهاوت أمام ناظريها .
لعنت حظها التعيس وحياتها التي أشبه بحياة القرابين البشرية التي تذبح على أبواب المعابد الوثنية لإرضاء الآلهة لكنها كانت قرباناً ملعوناً فقد تم بصقها لتعود من حيث أتت.
- لا أريد هذا الطفل أبدا.
هكذا أكد صالح لأبيها وهو يصرخ قبل أن ينسل من حياة منيرة وتخرج هي من منزله للأبد.
قررت أن تحتفظ بالجنين رغم ما فعله ابن عمها وحينما ولدت ذكراً كادت تطير من الفرح، لأنه صار لها أبن ولم تعد وحيدة في هذه الدنيا.كما زاد من فرحتها ما كان يقال لها، من أن الرجال تلين قلوبهم ويعودون لزوجاتهم حينما تلد النساء لهم أولادا ذكورا.
أسمته سعد وكان صورة من أبيه بدمائه النجدية وملامحه الصحراوية، وبشرته السمراء ووجهه النحيل وأنفه الشبيه بسلة السيف. ويوجد في أعلي كتفه شامة كالتي تعلو كتف أبيه. أرسلت أمه منيرة رسائل لأبيه في أمريكا تعلمه أنه أصبح أبا لمولود ذكر شبيه له، ولكن والده لم يكترث لخبر المولود وتجاهل الرسائل .
لم تيأس من رجوعه رغم عدم رده على رسائلها، ورغم نبذه لها ولأبنه، فقد أوهمت نفسها أنها مجرد عين حاسد كما كان يتناقل على ألسنة النساء من قريباتها، فنذرت النذور وذبحت الخراف ووزعتها على الفقراء بسرية تامة خشية أن يعلم من أصابها بالعين فتفشل محاولاتها لإعادة والد أبنها، زوجها وحبيبها.
ذات ليلة بعد أن حل الظلام وتلألأت نجوم السماء وجهزت مرقدها هي ووليدها سمعت همسات قادمة من غرفة أبيها الملاصقة لغرفتها فانسحبت للخارج بخلسة تمشي على أطرافها
فقد اشتد بها القلق حينما سمعت اسمها واسم أبنها يتردد أكثر من مرة على لسان أبيها وما أن اقتربت وأرهفت السمع عند الباب حتى صعقت
كان والدها يتجادل مع أمها حول مصيرها بعد الطلاق.
مطلقه! ...مطلقه !
ما أن سمعت كلمة مطلقة حتى دارت بها الأرض ثم خرت مغشيّاً عليها.
كانت تلك الكلمة كالزيت المغلي الذي رُمي على صدرها ليحرق ما تبقى فيها من شعور تجاه صالح والحياة.
مطلقه وأم لطفل هكذا كانت تلوكها ألسنة نساء العائلة، ما بين امرأة شامتة إلى أخرى خائفة على زوجها من المطلقة الجميلة التي لم تتجاوز العشرين من عمرها.
كانت المسكينة تذر على جرحها الملح وتبلع الألم قبل بزوغ كل فجر وتقوم مع كل صباح لمساعدة زوجات الأخوة اللاتي يقمن معها في منزل العائلة، فتعجن وتخبز
وتجهيز الإفطار للرجال قبل خروجهم للعمل.
تعلمت أن ترسم حول نفسها دوائر حتى لا يجرؤ احد على الاقتراب منها ومن أبنها، ويزيد جراحها بكلامه أو تصرفه، مستمدة قوتها من حماية ودعم أبيها لها.
وحاولت أن تصنع لنفسها كرة بلورية سحريه تختفي في داخلها هي وأبنها بعيدا عن وشايات زوجات الأخوة وثرثرات نساء الحي.
حول عدم زواجها من جديد وتصم أذنيها عن أحاديثهم حول مركب العمر الذي قد يرحل عنها بعيدا تاركها وحيدة .
كلما كبر سعد واشتد عوده كبرت ملامحه وصار شبيها لأبيه، ورغم ذلك لم تنفر منه وهي ترى فيه من قسمات من هجرها، وتركها تعاني لوحدها مرارة العيش وهو ينعم في أمريكا مع زوجته أو صديقته الأجنبية، أو هكذا كان يخيل لها.
كم من ليلة بقيت تفكر بابن عمها الذي لفظها كما يلفظ البحر البقايا على شواطئه وترميها موجاتها العاتية كثقل لا فائدة منه، كذلك فعل ابن عمها قذف بها لأنه لم يكن لها مشاعر الود. كم من ليلة جفا النوم جفونها وهي تفكر بتلك الأجنبية التي ارتبط بها صالح بدلا منها، وربما تكون اختطفت عقله وجوارحه.
كانت تصرخ ساخطة حينما تتصوره مع امرأة أخرى غيرها، فتقول وبصوت عالي:
- فليحترق في جهنم.. تركني من أجل أجنبية شقراء عيونها كعيون ........
كان قلبها يرفض أن تقول آمين بعد أن تدعو عليه، ثم ما أن تهدا حتى تثور من جديد في عقلها عشرات الأسئلة عن أبن عمها، هل هو نائم؟ هل هو سعيد؟ هل هو مريض؟ هل هو في هذه اللحظة مع امرأة أخرى؟
إذا كنت يا ابن عمي تبحث عن الجمال فمما أشكو؟ هل ينقصني الجمال والجسم؟
كانت تنظر لنفسها بالمرأة كل ليله وهي تمشط شعرها الطويل فلا ترى عيبا في جمالها العربي الأصيل. كما أنها تلاحظ كيف أن عيون الرجال تتبعها أينما تذهب، والنساء يشعرن بالغيرة من بشرتها البيضاء الناعمة وتقاطيع وجهها الرائعة الجمال، ومن طولها وقوامها الرشيق، وعيونها التي تسلب القلوب وشعرها الأسود الكثيف والذي اعتادت أن تظفره على شكل جديلتين تنحدران إلى أسفل خصرها.
وتمر الأيام لتموت الأسئلة ويحفر الحزن بداخلها حفرة سحيقة لتدفن فيها مشاعرها وتعيش في عذاب مستمر، فقد أحست بالضآلة وانكمشت وبدأت حتى ملامحها تتغير، فليس اقسي على المرأة من أن تكون منبوذة من رجل أحبته بكل عواطفها.
ولم تمضي سوى ثلاث سنوات حتى مات والدها وتفرق الأخوة وسكنت أم سعد مع والدتها وأبنها في منزل صغير بينما تقاسم الأخوة الذكور الإرث كاملا ولم تنل منه سوى الفتات.
ما كان المال ليهمها، فقد كانت معركتها الكبرى هي في تربية أبنها سعد، كان هو وطنها وجدارها الذي تعتقد أنها ستتكئ عليه عندما تكبر.
ترقب خطواته وغدوه ورواحه، تتبعه وتراقب حركاته أينما سار.
وحينما بدأ الكلام كان يلاحقها بالسؤال عن أبيه وعن مكانه:
-من هو أبي؟ و أين ذهب؟
وكلما كبر زادت الاسئلة وعظم جرحها.
كان يسألها دائما ًعن تلك الهمسات التي يسمعها حينما يمر من جانب مجلس الرجال في بيت خاله سليمان وتلك القصص التي تتحدث عن أبيه.
كانت أم سعد مذعورة وخائفة من أن يقرأ على وجوه الآخرين حقيقة أبيه وما فعله بها.
أصبحت تتحاشى إرساله لبيوت أخوتها حتى لا يسمع النميمة التي تتناثر في ممراتهم فيجرح من شظاياهم.
حاولت أن تكون له الأب الذي يفتقده ففشلت ولجأت للصلاة لتقف على سجادتها كل ليلة تدعو الرب وترجوه أن يمدها بالصبر.
شعرت بالعجز يطوقها ويعتصرها وبين لسعات خذلانها وغضبها فكرت أن تقول لأبنها كل شيء ,لكنها عدلت عن الفكرة.
في سن العاشرة كان سعد ميالا للتمرد و الاستجابة لنزواته بشكل غريب، وكان دائما ما يغيب خارج الحي مع رفاقه مما كان يجعلها تنشغل عليه، وعلى من يصاحب.
كانت تشعر بالذعر وقلة الحيلة أمام خروجه يوميا وتنقله خارج الحي.
وكان يتصارع في داخلها شعور بالخوف من أن ينجرف أثناء خروجه من البيت وينزلق في أعمال مشينة .
لم يكن لسعد أب يحرص على تربيته وتعليمه الرجولة، ولم يكن يكترث لأمره سوى خاله سليمان.فالكل غارق في هموم بيته ومشاكله كبقية الأرواح الهائمة في جنبات الأرض تبحث عن الخلاص.
كم من مرة كان يرجع سعد بملابس ممزقة وتعلو وجهه الكدمات بعد عراك مع الأولاد الذين يصفونه بالمشرد الذي لا أبى له. يأتي البيت وهو يصارع الدموع التي تنهمر أمام عيني أمه وهو يصرخ قائلا:
- الأولاد في الحي يقولون أن أبي رحل ولن يعود.
فتسارع والدته باحتضانه والتربيت على شعره وتقبيل دموعه ثم مسحها بشيلتها السوداء التي تلتف حول رأسها، وتبدأ في تطييب خاطره.
لم تكن تملك سوى الصمت والدعاء على أهلهم ومجالسهم التي تلوك الألسنة فيها أعراض الناس وتنهش لحومهم، ثم في نهاية الحديث يتظاهرون بالغيرة على الآخرين وحب الخير لهم.
كم من مرة فكرت أن تزرع بداخله كراهية أبيه ولكنها لم تستطع أن ترتكب مثل هذا الجرم، وظلت تعده بأنه سيرى والده قريبا.
رغم تعلقها بسعد إلا أنه كان يساورها شعور بأنها ستخسره يوما ما كما خسرت أبيه، وكانت تخاف في كل يوم يخطو خطوة باتجاه الشباب .
لم تكن تبوح بمخاوفها هذه لأحد وظلت غير راغبة بفتح باب صدرها لمخلوق حتى لا يرى ما تسكنه من مخاوف، وفضلت أن تستأثر بمخاوفها لنفسها، وهي تترقب المستقبل وما سيؤول له أمر سعد عندما يصبح في مقتبل العمر، هل سيتركها مثل ما تركها أبوه؟ سؤالاً كان يراودها كثيرا.
وتمر الأيام ويتخرج سعد من الثانوية ويقرر أن يراسل أبيه في أمريكا، بعد أن حصل بشق الأنفس على عنوانه من عمه فهد.
حاولت أن تقنعه بنسيان موضوع أبيه والتركيز على بناء مستقبله، فقد تملكها شعور بأن أبيه لن يرد على رسائله وأنه سيقابل أبنها بالنبذ، وحدث ما كانت تتوقع، فقد كانت رسائل سعد ترجع دون أن تفتح!
-أي قلب تحمل يا صالح.
تنهدت أم سعد وهي تنظر بحزن لحال أبنها الذي بدأ يتولد لديه شعور بأن والده لا يستجيب له ولا يرغب في رؤيته، مما أحدث له حالة من الإحباط واليأس.
ذات ليلة حلمت منيرة ( أم سعد ) بأنها تمشي على رمال متحركة في ليلة مظلمة، وبالقرب من شاطئ مهجور هي وأبنها، و كان الابن ينظر لها بصمت ثم استدار باتجاه الشاطئ، وقفز في الماء وهي تصرخ وترجوه أن يعود، ولكنه تجاهل صرخاتها واستمر في السباحة حتى اختفى عن ناظريها، ولم ينقذها من هذا الكابوس إلا تعالى صوت أذان الفجر.
وفي اليوم التالي روت لجارتها أم مريم قصة حلمها في ليلة البارحة، فقالت لها جارتها أن حلمها لا يبشر بخير وأن سعد يفكر بالسفر بعيدا، وقد يكون سفره قريبا، ففزعت من كلام جارتها العجوز، واستعاذت من الشيطان، وطلبت من ربها أن يحفظ سعد، ونفثت عن شمالها وتعوذت من إبليس وأعوانه ، ثم بصقت عن يمينها على تلك الجارة ، وأسرعت بالخروج من منزل جارتها، ووزعت المال على الأطفال في الحي وعلى المارة لتدفع البلاء عن أبنها.
لم يتوقف سعد عن محاولة مراسلة والده أو يمل من تجاهله له، وكان يرفض الانصياع لأوامر أمه أو نصائح أخواله بتناسي الأب القاسي القلب.
في أحد الأيام دخلت أم سعد مجلس الرجال وهي تحمل القهوة لتجد ابنها يهمس في أذن خاله سليمان ثم توقفا عن الحديث عندما رأياها وهي تدخل.
نظرت باتجاه أخيها وكأنها تطلب تفسيرا لسبب توقفهما عن الكلام، فسعل وتنحنح واعتدل بجلسته قائلا:
- سعد عنده طلب.
نظرت أم سعد باتجاه ابنها متفرسة ملامحه، ثم قالت:
- خير إن شاء الله؟
كانت ملامح سعد جادة، وهو يقترب من والدته ويقبل رأسها ويديها ثم يهمس في أذنها:
- أنا أنوي السفر لأمريكا!
توقفت والدته عن صب القهوة وتجمد الدم في عروقها ودخلت في نوبة طويلة من الوجوم والذهول وأطرقت تفكر:
- موافقة.
وسرعان ما أشرق وجه سعد ولمعت عيناه حينما سمع موافقة والدته وبدأ يقبل رأسها.
أما أم سعد فلم تكن تملك سوى الموافقة، فشعرة فؤادها يتوق لفرد جناحيه والتحليق عاليا، مثل كل الطيور التي تتطلع للأفق البعيد تريد التحليق والاستمتاع بالحرية والمغامرة، وهي لا تستطيع أن تمنعه من التحليق حتى وإن أرادت، فروح صالح تسكن سعد بقوتها وصلابتها.
كانت تنظر له وتستعيد شريط حياتها وعمرها الذي ذهب سدى وهي تحوم حوله تحاول أن تحميه من نوائب الدهر .
هل بدأت مرآة الحياة ببث إشارات بأن العمر قد مر ومضى ويجب أن نتنحى ونفسح المجال أمام طيورنا الصغيرة لتنشر أجنحتها استعداداً للرحيل هكذا فكرت أم سعد وهي تستعد لتحقق الكابوس فقد كانت تعلم في أعماقها أن سعد ليس إلا نسخة عن أبيه
لم يمض ِسوى شهر حتى زف لها موعد رحلته ورفض أن تودعه فقد قرر أن الوداع صعب على كليهما .
وأخيراً صدق كلام الجارة ورحل سعد وصار الحلم حقيقة.
أنتشر الخبر كانتشار النار في الهشيم ليخلق داخل عائلته وتحديدا والدته جرحا غائرا لن يلتئم مع الأيام والشهور وربما السنين.وما أن سمع الأقارب بخبر رحيل سعد حتى توافدوا لمواساة الأم المسكينة.
أمطرت السماء في الليلة التي رحل فيها سعد لأمريكا على المدينة كما لم تمطر من قبل، كانت أمطار غزيرة، تشبه دموع أم سعد المصحوبة بعبرات مؤلمة تجعل من يسمعها ينفطر قلبه من الحزن. سالت الدموع على وجنتي "ام سعد " التي أثقلتها السنين وزحفت عليه وفي ليلة واحدة معالم الشيخوخة تنهش وجهها كشجرة صحراويه هرمة. واشتد على غير العادة عويل الرياح وهي تصرخ في الفضاء الفسيح وكأنها تتعاطف مع مأساة الأم المسكينة ويختلط نشيج بكاء أم سعد بتعاظم نشيج الرياح ويتحدان لتصبح الدنيا تشجوا في أذن الأشياء حزنا على فراق سعد في وحدة وجود لم يسبق لها مثيل. هكذا تخيل لأم سعد أن الدنيا كلها تشاركها أحزانها ومصابها الكبير.
كل شيء تغير في المنزل، وصار كل ركن يوحي بالبكاء والحزن على فراق سعد، كانت تنظر بعد رحيله باتجاه غرفته، فترى سريره ومكتبته الصغيرة، فتحملق بتلك الأرفف تستعيد شريط حياتهما مع بعض بكل تفاصيله وتواريخه. هناك ترى رف للكتب التي كان يقرأها في طفولته ورف لكتب كان يقرأها في مراهقته، ثم تتذكر سلسة حياتها يوم أن ارتبطت بأبيه ثم حملت به ثم طلقها، ثم ولد سعد، ثم قامت على تربيته والاعتناء به، ثم يوم كبر ورحل. يا لها من حياة وما أمرها من معاناة!!
حانت منها فجأة التفاته فرأت صورة سعد موضوعة بجانب سريره الخالي منه، فأمسكت الأم المنكوبة بصورة فلذة كبدها تتأمل من كان رفيقها وزهرة حياتها، وتلثم الصورة حتى خيل إليها أنها تشم رائحة سعد. حاولت التماسك لكن البكاء أندفع بقوة من أعماقها إلى حلقها وعينيها فصار أنينها يتعالى ويصدر من قلب مجروح، وأجفان مرتعشة تأبي أن تنام بانتظار أن يعود حبيبها. كانت تمني النفس برجوع الغائب.
-سعد ...ياشمسي ...هل من لقاء بعد الفراق؟
هكذا صرخت أم سعد وهي تبكي حزنا ثم خرت مغمى عليها.
شعر الجميع بالحزن على تلك الروح المكلومة التي تعاني الألم بصمت وكلما مر يوم ضعفت وذبلت أكثر فأكثر. تناجي الطيور المحلقة في الفضاء الفسيح تهمس لها كل يوم عند المغيب طالبة منها نقل أشواقها لذلك الطائر المهاجر.
وبعد أسبوع رن جرس الهاتف لينساب صوت سعد من الأفق البعيد ليخبرها بلقائه مع أبيه و مع سيل من الوعود بقرب الرجوع.
أصبحت قصة أم سعد وابنها مائدة دسمة على موائد النساء في مجالس الحي، كانت النسوة يشفقن عليها ويتمتمن بأدعية أن تجد روح تلك المرأة الحزينة السكينة أو أن تنمو لها أجنحة سحريه تأخذها حيث يعيش أبنها.
بعد رحيل سعد شعرت والدته بالوحدة و تقوض العالم من حولها وطوقتها الوحشة.
تطوف كل ليلة في أركان البيت وهي تتخيل من حملته وهو كتلة رخوه على كتفها ومن كان يختبأ بين طيات ملابسها، وهي تذهب في رحلتها اليومية لبيت أخوتها، وفي النهاية يشتد عوده وتتكون له اجنحه ويمتلئ ريشا فيتركها ويحلق بعيدا عنها ويرحل إلى أبيه.
وهكذا تولد لدي المسكينة أحساس بأنها تهوي إلى الورى دون أن يتلقفها احد، فليس لها من أبن تستند إليه في كبرها.
أصبحت أم سعد تقضي أيامها متبتلة، تلف رداء الصلاة حول جسدها المثقل بالأحزان، تصلي لله طوال الليل حتى طلوع الفجر، وتسبح في ملكوته وتطوف مع المتضرعين في كل ليلة، متأملة معاناة البشر ثملة في أطول رحلة إيمانية.،ولم يكن يؤنس وحدتها في تلك الرحلة سوى ذلك الصندوق الذي يحوي بقايا من ما تركه فلذة كبدها ورائه من ملبس أو لعبة أو قلم أو دفتر أو كتاب.
تنظر له كل يوم بلهفة وهي تدعو الله أن يعود لها أو أن يحمل طائر عابر على جناحيه لهفة شوقها وقصة دموعها له عل قلبه يلين.
كبرت أم سعد وهي تنتظر عودة الحبيب، ولم يعد بعد.
هل سيعود؟
الله أعلم..!

الثلاثاء، 10 مايو 2011

طيف الصورة ..

image

ضحكات مكتومة تأتي من آخر الصالون , تكاد تجعلني أنفجر , ألتفت بغضب تجاه مصدرها حيث تقبع مجموعة من النسوة في زاوية .
يتحدثن ويثرثرن بلامبالاة ودون اكتراث بأحد
- يا إلهي , ما بال تلك النسوة؟!..هل أصبن بلوثة عقلية؟!
هززت رأسي بعنف وغضب أحاول طرد ذلك الصداع الذي يلازمني مذ دخلت المكان مع والدتي التي سرعان ما ذهبت للجلوس بجانب شقيقة الفقيدة .
تكاد أظافري تمزق حقيبة يدي , أعصرها وكأني أريد نقل كل ما برأسي من صداع وألم إليها ولكن الألم استمر فقررت في النهاية الاستسلام .
فتحت حقيبتي بحثاً عن قرص مهدئ لهذا الصداع الذي احتل رأسي فأصبت بخيبة .
- يا لِحُمقي ... دائماً أنسى تلك الحبوب .
نظرت أمامي فوجدت قنينة ماء , وبضعة كؤوس , فتنهدت :
- شيء ..أفضل من لاشيء .
تجرعت كأس الماء بسرعة حتى كادت أن تبتل عباءتي
وقرع خطى النسوة حولي يصهل في أذنيّ!
طفقت أفكر بما أشاهده وأعزي نفسي بقرب الرحيل
بدأت أتمتم بصمت مع نفسي كي أطرد الملل المتشح بالسواد!
- من يصدق أنني أحضر عزاء امرأة لا أعرفها؟!
ابتسمت بصمت وأنا أفكر بأول عزاء شهدته , لقد كان عزاء أبي .
- ثلاثة أعوام مرت على رحيله وذكراه لا تفارقني
في رحلة فَقْدٍ مهيبة تنزع الدم من أوردتي,
آهٍ يا أبي, بعدك تبعثرت أيامي وتهت في الزمن
خرجت زفراتي بحدة تحمل لوعتي وحزني . تنبهت وطردت تلك الأفكار الحزينة من عقلي
كانت عيناي متصلبتان ترقبان أرتالاً تعج بنسوة قدمن
وأخريات يرحلن على عجل!
كم شعرت بالدهشة إزاء ما يحدث
جموع تتحرك بسلاسة ودقة , وكأن هنالك من يرتب خطواتهن . تعلم كل واحدة منهن مقعدها ووقت رحيلها!
وفجأة شعرت بالملل ونظرت باتجاه النسوة اللاتي لايزلنّ يتحدثنّ رغم نظرات الحضور الغاضبة إلا أنهن لم يوقفن الحديث ولو لبرهة.
- ما هذه الوقاحه؟!
كدت أصرخ في تلك الزمرة , لكنني تمالكت نفسي , فصمت إذ لا رغبة لدي لإثارة البلبلة
- الحياة هي السبب
هكذا بررت الموقف لنفسي حتى لا أشعر بالصدمة من أفعال البشر
آه من بني البشر..لماذا لا نعرف قيمة الأشخاص إلا حينما نفقدهم؟
جالت عيوني في المكان تبحث عن وجه يجعلني أشعر بأن هناك من يتذكر المرحومة , ففشلت
وبدأت أفكر وأنا أنظر في المكان وأتأمل كل زاوية, وكل ركن في ذلك القصر الضخم الكئيب .
هل الحزن محصور ببني البشر فقط؟
هل بكت عليها تلك القطط التي تقبع صامتة في إحدى الأركان
تنظر بصمت وبلاهة بالحاضرات ولا تصدر أصواتاً حتى ظننت أنها خرساء
وتلك الورود التي تقف بشموخ فوق تلك الطاولة المستديرة بالقرب من النافذة
هل تدمع عيناها لفراق تلك السيدة؟
والجدران التي تحيط بنا , وشهدت تفاصيل حياتها بكل مافيها من أفراح وأحزان
هل تدمع عيناها لمن سكنت المكان؟
وتخيلت شبحها وهو يطوف في الغرف , يثير الرعب والفزع في سكان المنزل الجدد
ورغم جنون الفكرة إلا أنني أحببتها
وفجأة حانت مني إلتفاتة للممر , وبدأت أتأمله لفترة طويلة ثم سرت باتجاه تلك الستائر الخضراء التي تعلو النوافذ الزجاجية
والأثاث الفاخر واللوحات المنتشرة في كل أركانه حتى أوصلتني خطاي لنهاية الممر , وتسمرت أمام باب قديم , حاولت فتحه ولكنه مقفل , صرخت متأملة:
- ما أضخم هذا الباب..!
حاولت مجدداً فتحه فلم أفلح وبقيت صامتة أمامه أفكر:
- ما الذي وراء هذا الباب وأي سر يخفيه ؟
كانت تعلوه نقوش غريبة لمجموعة من الذئاب بوجوه بشرية , يعلو كل رأس تاج ذهبي .
مشهد يوحي بالجمال والغرابة حيث امتزج خيال الفنان بالطبيعة
كم أثارتني تلك النقوش وجنحت بخيالي بعيداً
وفجأة خطرت ببالي فكرة مجنونة
هل هناك بوابة بين عالم الأحياء والأموات نستطيع من خلالها لقاء من رحل من أحبابنا؟
يا له من حلم مجنون يداعب خيالي كنت كالذي يبحث عن الثلج في وسط الصحراء
لملمت شتات نفسي وقررت أن أعود لمكاني , فقد تأخر الوقت لكني وقفت والحيرة تلتهمني
وبينما أنا غارقة في أفكاري فجأة سمعت صوت خطوات قادمة باتجاه الممر
تراجعت خطوتين للوراء , وأنا أشعر بالرعب والخجل
وبدأت أفكر بأهل المنزل .
- يا لغبائي كيف سأبرر موقفي وتطفلي
ابتلعت ريقي وحاولت الوقوف منتصبة ويداي تتصبب عرقاً . أكاد أموت من الخجل
نظرت باتجاه قرع الخطى القادمة باتجاهي , فإذا بسيدة عجوز كانت ترتدي ملابس خضراء اللون يذكرني لونها بلون العشب - كان لوناً نابضاً بالحياة - تتوشح شالاً حريرياً أبيض اللون .
تفرست في ملامحها ووجها الذي حفرت السنين معالمها عليه يبدو أنها قد ودعت الستين منذ سنوات
اقتربت منها بخطوات مترددة قائلة:
- سيدتي أنا؟
وما كدت أنطق بهذه الجملة حتى قاطعتني بحركة من يدها
وتقدمت باتجاه الباب المغلق , ثم وقفت ترمقني بنظرات غريبة شعرت بنظراتها تحرقني وكأنها تريد سبر أغوار روحي ثم قالت:
- ليس من الأدب أن تقتحمي أملاك الآخرين
نكّستُ رأسي والخجل يحاصرني , فكم وددت أن تنشق الأرض وتبلعني حتى أمزق أغلال اللحظة المتكوّمة في أحداقي.
- أعتذر...كنت أبحث عن الحمام
ضحكتُ في داخلي وتعجبتُ من قدرتي على اختلاق الأكاذيب بسهولة
اقتربت العجوز وهي تلوح بإصبعها وهي تضحك قائلة:
- لا تكذبي ...عن ماذا تبحثين؟
- لاشيء..لقد تأخرت يجب أن أعود
- هل ترغبين بمعرفة سر هذا الباب؟
- أنا؟...نعم..إن سمحتي لي
أشارت بإصبعها حتى اقترب منها ثم همست :
- سوف أجعلك تدخلين مع الباب لكني أحذرك . لكل شيء ثمن
شعرت بالفزع من كلام تلك العجوز ونظرات عينيها التي تكاد تخنقني ولكن صوت الطيش والمغامرة يصدح عالياً داخل عقلي ويطالبني بإكمال المغامرة حتى النهاية
- لا بأس موافقة..
صفقت العجوز بيديها وأخرجت مفتاحاً حديدياً تعلوه
شقوق السنين وقدم العهد..
وما كادت تفتحه حتى توقفتْ ثم التفتْ وهي متجهمة
- للمرة الأخيرة أسألك . هل أنتِ مستعدة لدخول الباب ؟
كلماتها جعلت قلبي يخفق بشدة وشعرت بصوت يصرخ بداخلي , اهربي ..اهربي قبل أن تندمي
لكنني أخرست تلك الهمهمات وقررت المضي
- نعم مستعدة يا سيدتي
وما إن فتحت الباب حتى شعرت بالصدمة وخيبة الأمل
- غرفة نوم ؟!
كانت غرفة نوم بسيطة تحتوي سريراً خشبياً قديم الطراز يعلوه غطاء أبيض , ودولاب خشبي قديم قد كسرت مرايا دفتيه
وحتى الطاولة التي تعلوها بضع صناديق قد تعرضت فيها المرايا للكسر, وزجاجة عطر قديمة .
لم يكن هناك شيء مميز في تلك الغرفة سوى ذلك السجاد الفارسي الذي ينم عن ذوق رفيع وحرفية عالية
شعرت بالغضب من أفكاري الطفولية وتلاعب تلك السيدة بعقلي
-كل هذا التعب من أجل غرفة سخيفة
هكذا فكرت بداخلي
دخلت الغرفة وأنا أشعر بالتردد , وعين السيدة ترقب خطواتي , وما أن اقتربت من الستارة التي تغطي النافذة تماما وحاولت إزاحتها حتى شعرت بيد تلك العجوز تلمس كتفي
فشعرت بالذعر وتراجعت للخلف قليلاً , ولكن تلك السيدة اقتربت أكثر وهي تضحك قائلة:
- حان دفع الثمن
- أي ثمن؟
- ألم تقولي إنك مستعدة لدفع ثمن دخولها؟
- وما الثمن يا سيدتي؟
- لا شيء ...سوى أن تبقي معي ولنسلّي بعضنا البعض
- أنا..؟
شعرتُ بالغباء من الموقف الذي وضعت نفسي فيه , فقررت الرحيل من الغرفة
- سيدتي يجب عليّ الآن أن أرحل..
تحركتُ باتجاه الباب , والتوتر بداخلي تعلو وتيرته وقلبي يخفق بشدة وقدماي تكادان لا تحملاني من الخوف ولكني صممت على الرحيل ومغادرة المكان فوراً..
وفجأة ضحكاتها تملأ الأمكنة حولي ودويّها يطوف في أذني كالرعد..
أغلقت الباب بشدة غير عابئة بموقفي أمام أهل المنزل
أحكمت الباب ورائي بقوة وأنا أقول بصوت عالٍ:
- كم أنا حمقاء .
وقفتُ محدقة في الممر وبالصور التي تعلو جدرانه وبدأت أفكر بالموقف المحرج الذي وقعت به قبل قليل
قررت العودة لمجلس العزاء , فقد تأخر الوقت ويبدو أن والدتي تبحث عني وما أن بدأت السير في الممر حتى شعرت برغبة عارمة في تصوير الباب
تراجعت للوراء قليلاً وأنا أنظر باتجاه الباب وأتأمله بإعجاب قائلة:
- كم هو رائع لو شاركت بصورة الباب في مسابقة المدينة
بعد تردد استمر ثواني أخرجت الهاتف النقال من حقيبتي لتصوير الباب وما كدت انتهي من التصوير حتى شعرت بألم يسري في جسدي
وأنفاسي تتسارع والظلام الدامس يغشو المكان
شعرت بالفزع الشديد وبدأت أصرخ بصوت خافت:
- أنقذوني إنني أموت
سقطت على الأرض وأنا أتلوى من الألم , وما هي إلا ثواني حتى غبت عن الوعي
- ابنتي ..ابنتي
هذا صوت أمي !..
لماذا تبكي؟
صوتها أشبه بالهمس وكأنها تناديني من وادي سحيق
هل أنا ميتة؟..هل رحلت عن الدنيا
كنت خائفة من أن أفتح عيني واكتشف رحيلي
وفكرت بأمي وإخوتي وكل أحبابي
لماذا لا نحس بقيمة من نحب حتى نفقدهم ؟!
ها أنا الآن ألوك الحسرة والألم
وشعرت برغبة في البكاء ولكنني قررت الرضا بقدري
وما كدت أفتح عيني حتى صعقت وبدأت أصرخ بصوت مبحوح:
- مازلت على قيد الحياة ..لم أمت.. نعم لم أمت!
الدوار كان يجثو على رأسي وأصابع الفزع مازالت تلاحقني.. أملتُ خدي على وسادة بيضاء..
مشاعر متضاربة تختلج في داخلي , سرور وفرح وحزن وغضب ولم أشعر بالدموع وهي تنهمر من عيني بكثافة الدهشة المتكوّرة بداخلي ..
اقتربتْ والدتي وهي تحتضنني قائلة:
- لم الحزن يا ابنتي ؟
أسندت رأسي علي كتفها وأنا أصارع دموعي التي منعتني من الرؤية
وما هي إلا دقائق حتى فتح الباب الغرفة
- أبي؟
صعقت من هول الصدمة فأغمي عليّ
وما كدت أفيق حتى نهضت من سريري أتلمس الرجل الواقف أمامي وألثم وجهه بالقبل وأنا أبكي وأضحك
- أنت حي لم تمت ..أنت حي
ضحك والدي وحاول تخليص نفسه من يديّ ولكنني تشبثت به خوفاً من أن يهرب أو يكون مجرد حلم
تقدمت والدتي صوبي وهي تحاول إعادتي للسرير فقد بدأت أشعر بالتعب
- تعالي لتستريحي
نظرت نحوها بقلق وأنا أصلي لله أنا لا يكون ما أشاهده حلم فقلبي لا يحتمل الصدمات
- أمي ما الذي حدث؟
- وقع حادث لك وكنتِ في حالة خطرة
بدأت أتحسس رأسي والرباط الذي يعلوه والكدمات التي تنتشر في أنحاء جسدي
- هل كنتُ في غيبوبة؟
- نعم استمرتْ فترة طويلة حتى خشينا أن نفقدك
نظرت باتجاه أبي بحب شديد وطلبت منه أن يدنو بالقرب مني , اشتم عبيره وأتلذذ بحضنه الدافئ
- أحبك يا أبي
بقينا لساعات نتحدث ونتسامر وبعد أيام سمح الطبيب لي بالخروج وتمضية فترة النقاهة في المنزل
قررت الركون للراحة والاسترخاء فقد مررت بتجربة أثقلت كاهلي وجعلتني أفكر بالحياة والموت .
استلقي في غرفتي بلا حراك وعيناي تجول في كل ركن , وكأنني أشاهد المكان لأول مرة , واختزل كل تفاصيله
-كم أحب الحياة
حانت مني التفاتة للهاتف النقال وبدأت أعبث بما فيه من رسائل وصور وما كدت أصل لنهاية الصور حتى صعقت وشعرت بالفزع يتملكني
- إنها صورة الباب الخشبي وتقف بالقرب منه تلك السيدة العجوز!

الجمعة، 22 أكتوبر 2010

وأسدل الستار!!

وأسدل الستار كان مشهدها كلوحةٍ حزينةٍ خانقةً
عبث بها البؤس صارخاً في خطوطها وألوانها
في كل تفاصيل جسدها و ملامحها
كان مشهدها في عيناي مرعباً
وبائساً بما يكفي لأن ترويّ لي بصمتٍ أنهُ انسل من حياتها
بذات البساطة التي تسلل إليها
وكان هذا لقائنا الأول
منذ أن أتتني قبل سنواتٍ لتبوح لي بسرها
وحدثتني عنهُ بلهفةٍ .. وكأنها كانت تـُبشرني بذلك الرجل الذي أسكنها طيبة قلبهِ
وأرض حنانه وضمها بجناحي قلبه إلى أسراب الحمائم المهاجرة إلى مملكة الحب
كانت حينها تريد أن تبوح لي أنها عاشقة .. ولا شيء غير البوح
كما لو كان بيدها أن تصرخ بأعلى صوتها لتعلن للعالم أنها عاشقة .. ثملة ٌ بحبه
لقد سلب "اطيب قلب" كما كانت تسمية عقلها وقلبها
فلم تكن حينها تستجدي مني الرأي والنصح
بل استشاطت غضباً .. حين تعجبتُ لرفضها العرسان من أجل شاب بدأ للتو
يصارع الحياة وما زال الطريق أمامهُ طويلٌ وشاق
وأسهبت تـُحدثني عن الحب
ولذيذ لهيبه الذي صهر الطبقات وأذاب الفوارق بينهما
حدثتني عنه وعنها
وكأي محبين ذابت أرواحهما وامتزجت
وتوحدّت كروح شهيد تسمو بفردوس الحب عن الدنايا والسفاسف
- فماذا يعني يا صديقتي أن أسكن أنا القصور .. ويسكن هوّ وأمه وأخواته تلك الشقة الصغيرة ؟
وماذا يعني أن أواصل أنا دراستي الجامعية .. ويكتفي هوّ بدراسته الثانوية ؟
- فكل هذا لا يعنيني بشيء يا صديقتي
فطوفان الحب أزال كل تلك العوائق والفوارق
ليتكِ تعلمين يا صديقتي
وليت أهلي يعلمون .!
***
سألتـُها عن حالها .. وما إذا كانت قد تزوجت أو بعد ؟
وكأنها لم تمضي سنوات على لقائنا الأخير
وكأن ذلك المشهد فات للتو .. لنكمل ذلك الحديث الذي كنا قد بدأناه
اغرورقت عيناها
وسابقت الدموع مرارة كلماتها وهي تروي لي بقية تفاصيل الراوية
وبدأت تروي لي كيف أنها جاهدت لأجله .. وأرادت أن تفترش لهُ السجاد الأحمر في طريقهِ إلى قصرها
وأرادته أن يطلب يدها .. ويدخل بيت أهلها شامخاً بكبرياءٍ سماوي
وألحت عليه أن يكمل دراسته في لندن
وحجزت لروحها مقعداً في الطائرة بجانبه
وسافر إلى هناك ترافقهُ روحها .. تحرسهُ وترعاه
وتركت جسدها في مدينة ( جدة ) يتوق لعودته
تتأملهُ عائداً كالفرسان حاملاً بيدهِ راية المجد .. لتفاخر بهِ أهلها وتفاخر بهِ العالم كُله
مضى شهران يداعبها الحُلم ُالجميل لحظة ً بلحظة
وتتواصل معهُ كل يوم .. تحرضهُ على المثابرة .. وتدفعهُ بكلمات الثناء والتشجيع
وكان ذلك قبل أن تفقد كل وسيلة تواصل بينها وبينه
وقبل أن تـُفتضح وتكتشف أختها أمرها .. لتعقبها بعد ذلك بالتهديد والوعيد
بأن تفضحها إن هي لم تكُف عن حماقاتها وتبتعد عنه
وتطوي ذكراه كصفحة سوداء في حياتها
تكالبت عليها الأيام بأحداثها المتسارعة .. وما عادت تدري كيف لها أن تتصرف
إلى أن ارتمت بثقل همهما وحيرتها على ابنة عمها
ومنحتها تمام الثقة .. وأوصتها بأن تبلغهُ بما أستجد من أحداث
وأن لا يحاول الاتصال بها حتى تزول تلك العاصفة
ليطول ويطول بعدها انتظارها .. وهي تنتظر في كل لحظةٍ أي اتصال منه أو حتى رسالة
وحاولت مراراً الاتصال بهاتفه الذي كان مغلقاًً على الدوام
ولم تجد بعدها بداً من الاتصال بوالدته وأهله ..
والذين أخبروها بدورهم أن اتصالاته شحت كثيراً في الفترة الأخيرة
وتمنوا عليها أن لا تزعجه .. وكأنهم يريدون أن ينهوها هم أيضاً من حياة أبنهم
تاهت بعدها في دهاليز ذل الحيرة والسؤال
وتمكن منها الوهن وأرقدها المرض على سرير المستشفى
لترأف بحالها ابنة عمها .. وتبوح لها عن ما أخفته عنها طوال الفترة الماضية
وأنها طعنتها في ظهرها بخنجر مسموم .. ولم تكن أهلاً للأمانة
فلم تكتفي بتجاهل إيصال الرسالة إليه .. بل تعدت ذلك بأن كذبت عليه وعليها
وأبلغته بأنها أفاقت أخيراً من غفلتها .. وأنها لم تعد تراه ذلك الرجل المناسب
ورجته أن ينساها .. وينسحب من حياتها بسلام
استشاطت غضباً .. وانهالت على ابنة عمها بكل أصناف الشتائم
وصرخت بكل ما تحمله من ألم في وجهها
- لماذا قتلتني ؟
- أكنتِ تريدينهُ لنفسك أيتها ....
حاولت بعدها بكل الطرق أن تصل إليه
ولم تترك وسيلة تواصل إلا استنفذتها ..
ولم تتوانى عن السؤال حتى أهله الذي بدئوا يظهرون لها البغض ويلحون عليها بالابتعاد عن أبنهم ..
ووصف زواجهم بالفشل المحتوم
ورغم ذلك لم تيأس أبداً .. واستمرت تحاول وتحاول ...!
إلى أن عادت إليها الحياة بأن بدأ هاتفه يستجيب
فصرخت بكل ما فيها من ألم – أين أنت ؟
وانفجرت باكية ً بحرقةٍ ومرارة .. قبل أن يرد على سؤالها بكل برود
ويحدثها بلكنته الإنجليزية وكأنهُ يتباهى بما وصل إليه .!
واقفل الهاتف قاطعاً عليها توسلها بأن تشرح لهُ ما نالها من ظلم و غدر ابنة عمها
توسلت بعدها لابنة عمها أن تصلح ما أفسدته .. وأن تتصل بهِ وتبلغهُ بالحقيقة
وكانت الفاجعة أن أبلغها برسالة أنهُ يتفهم الأمر .. وأنه قد غفر لها ما وشت بهِ كذباً .!
وحتى في هذه اللحظات العاصفة .. كانت تأهة ًغارقة ً في دوامة الضياع
ولم يرد في حسبانها أي سبب أخر غير أنه لم يفق بعد من تلك الصدمة التي تسببت بها ابنة عمها
ولم يخطر ببالها أنه يتناسها بعد عهد الوفاء الذي قطعاه على أنفسهما
إلى أن طعنها في قلبها .. قتلها
وأصابها اتصال منه في مقتل .. حين طلب منها أن إقناع أهله بأنهُ راغب بالهجرة والعيش في لندن
كانت كلمة الهجرة كافية ً لإسكات نبضات قلبها للحظات
قبل أن ترتجف شفاها بإعادة ما ورد على مسامعها – الهجرة .؟!
وأنا ؟ وحبنا ؟ وتضحياتي لك أما من ثمن لها في حساباتك ؟!
أسدل بعدها الستار .. منهياً فصولاً من الأمل الواهم والألم .!
وأخبرها أنهُ وجد حياتهُ هناك .. في لندن .!
حيث ينتظرهُ هناك المستقبل الواعد
وتنتظره ليزا وأبنها ذو الستةِ أعوام
فهي تـُحبه وأبنها يُحبه أيضاً ومتعلقٌ بهِ كوالده
وهو يبادلهما نفس الحب كما أخبرها .!
حاول أن يخرجها من هول الصدمة بعد أن صعقها
وأخبرها أنهُ كان يفكر بها في بداية حبهِ لليزا وابنها
غير أن تلك الوشاية الكاذبة من ابنة عمها جعلته يتناسها ويتعلق بحب امرأة غيرها
ليُتبعها بعدها برجائها والتوسل إليها
أن تساعده في إقناع أهله بالهجرة .!!
قبل أن تغلق الهاتف وهو في أوج رجائهِ وتوسلاته
مات
لقد مات اطيب قلب
تكومت على نفسها
تبكي حبها الضائع
وسنوات عمرها التي رحلت بلاعوده
**
وبعد اسبوعين رحل
الى حيث ليزا وابنها
وتركها جسدا بلاروح

بقلم: د. نوف علي

Twitter Delicious Facebook Digg Favorites More