الجمعة، 13 سبتمبر 2013

نسمع جعجعة ولانرى طحنا


" نسمع جعجعة ولا نرى طحنا" تذكرت هذا المثل حينما سمعت خبر إقرار قانون لمنع العنف الأسري في السعودية بهدف حماية النساء والأطفال من العنف الذي قد يمارسه بعض الرجال عليهم. بصراحة لم أتحمس كثيراً لهذا القانون. ولا لغيره من القوانين التي صدرت في عدد من الدول العربية. فالقوانين التي تمس المرأة وتزعم أنها تعالج قضاياها غالبا ما تكون مجرد ديكور ولا تنفذ أيا من تلك القوانين بجدية على أرض الواقع. فغالبا ما يتم إصدار القوانين والحديث عن العقوبات ضد المعتدين وتبقى في النهاية حبرا على ورق بسبب غياب التوعية المجتمعية وعدم تمهيد المجتمع لتلك القوانين من خلال حملات إعلامية مكثفة بالإضافة إلى جهل المرأة بحقوقها والطرق القانونية التي يجب أن تسلكها.
ورغم كثرة الأبحاث والدراسات التي تتناول ظاهرة العنف ضد المرأة في العالم تبقى المرأة العربية التي يمارس ضدها أشكال متنوعة من العنف بعيدة عن الباحثين وتتهرب من المشاركة في الأبحاث والدراسات المعنية بقضاياها. فقلة قليلة من النساء يكسرن حاجز الخجل ويتحدثن عن ما حدث لهن من اعتداء واضطهاد بينما الأغلبية يفضلن الصمت والإنكار. وتجرع مرارة الألم خوفا من المعتدي وكذلك خوفا من كلام الناس.. فالدعم المجتمعي للمرأة المعنفة شبه معدوم حيث ينظر لها –غالبا- نظرة اتهام وريبة ويبدأ ماراثون الأسئلة حول الأسباب الحقيقية التي تدفع الرجل لممارسة العنف ضدها. فالمرأة في عالمنا العربي متهمة حتى يثبت العكس! وهذه النظرة المليئة بالشك والريبة والاتهامات هي سبب رئيسي في تأخير طلب النساء المعنفات للعون والمساعدة وكذلك تأخير إعادة دمج وتأهيل ضحايا العنف الأسري.
 أحيانا يتم التعاطف مع معاناة المرأة المعنفة لكن دون تقديم أي مساعدة فعلية مما جعل كثيرا من النساء يفضلن السكوت وعدم الحديث عن العنف الممارس ضدهن يائسات من وجود الدعم والملاذ الآمن وكذلك هربا من نظرة المجتمع التي لا ترحم. خاصة أن قضايا كالعنف الأسري يتم التعامل معها داخل مجتمعاتنا العربية بحساسية شديدة. وقد يدفع بالجيران والأقارب إلى التنصل وعدم تقديم الدعم والمساعدة للمرأة المعنفة بحجة أن الموضوع شأن عائلي وأسرار بيوت يجب أن لا تتعدى أسوار المنزل.
تجاهل الظاهرة في المجتمعات العربية عمدا جعل وجود تقارير إحصائية دقيقة حول حجم الظاهرة عربيا مهمة صعبة فثقافة المجتمع السائدة تركز على العيب ومبدأ القوامة ومكانة الرجل العالية. وقد يساهم المجتمع نفسه في زيادة معاناة المعنفات من خلال عدم إفشاء حوادث العنف إعلاميا ومحاولة إخفائها خوفا على صورة المجتمع دون الاكتراث بحجم معاناة المرأة المعنفة.
نتفق جميعا على أن لكل بلد قوانينه وظروفه الحياتية والمعيشية وطرق التعامل مع العنف ولكن يبقى العنف في النهاية عنفا ومعاناة المرأة واحدة سواء كانت المرأة المعنفة في الخليج أو في أمريكا أو في أي بقعة على هذه الأرض. فالمرأة شبعت من القوانين التي لا تردع الرجل الذي يمارس العنف ضدها على أرض الواقع. فبدون تطبيق قوانين الحماية والتصدي للمعتدي بحزم. ونشر التوعية في المجتمع سواء في المدارس أو في وسائل الإعلام حول مكانة المرأة في الإسلام وأهميتها كعضو منتج وفعال لا يمكن انتهاك كرامته وممارسة العنف ضده - بحجة الولاية والقوامة- ستبقى معاناتها مستمرة ولن تمتلك المرأة المعنفة الشجاعة الكافية لطلب العون والمساعدة للنهوض من جديد والدفاع عن حقوقها.
قبل أن نصدر القوانين علينا توعية المجتمع الذي يميل خاصة في العالم العربي لمحاباة الرجل وإيجاد المبررات له حينما يمارس العنف ضد المرأة سواء في الشارع أو في المنزل أو حتى في العمل. فالعبرة في التنفيذ وكذلك طريقة التنفيذ وإيقاع العقوبات الرادعه على ممارسي العنف - بكافة أشكاله- وبدون أي تهاون. فبدونها ستبقى القوانين مجرد حبر على ورق ولن تعالج هذه الظاهرة المقيتة والتي تنتهك إنسانية وكرامة النساء.

خلونا في حالنا


قضية المتاجرة بالمرأة من قبل من يدعون أنفسهم "بالناشطين الحقوقيين" من أكثر الأمور التي تستفزني فالحديث بلسان المرأة والتباكي على حقوقها "المسلوبة" أصبح مهنة من لا مهنة له وبضاعة رائجة تساعد صاحبها على صعود سلم الشهرة - وربما العالمية- وتبقيه في دائرة الأضواء دائما وزد على ذلك الدعوات التي لا تنتهي لحضور المؤتمرات والندوات في شتى بقاع المعمورة للحديث عن حال المرأة العربية والظلم الواقع عليها. يتنقل خلالها الناشط من بلد لآخر مستمتعا بالسفر في الدرجة الأولى والنزول في أفخم الفنادق بينما تبقى مشاكل المرأة الفعلية محلك سر وبلا حلول جذرية!
ابتلينا بكثرة الناشطين المتباكين على المرأة في العالم العربي وأصبحنا نشاهد في كل يوم نماذج ودعوات غريبة لتحريرها فساعة ينادون بتحريرها من تعسف وظلم الرجل وساعة من ملابسها. فقد فهم البعض أصول "اللعبة" وقرر اللعب حسب أنظمتها وفي خانة الأمان. فالناشط الحقوقي الذي يتباكى على حرية المرأة الجنسية ويهاجم الدين الإسلامي ويسخر من الحجاب يعامل في الغرب معاملة الملوك ويسارع الإعلام الغربي للدفاع عنه والمطالبة بالإفراج عنه في حالة القبض عليه أو إلغاء قرار منعه من السفر حينما يمنع بينما يتم تجاهل أخبار اعتقال المدافعين عن حقوق البسطاء والمطالبين بالعدالة الاجتماعية لجميع أفراد المجتمع والذين قد يقبعون في السجون العربية -سواء السرية أو العلنية- لسنوات طويلة وبلا محاكمات دون أن يتذكرهم الإعلام الغربي ولو بخبر صغير!
قبل فترة ليست بالطويلة كنت أشاهد برنامجا في إحدى القنوات الفضائية يناقش فيه الضيوف حقوق المرأة السياسية وكان أحد المشاركين ممن يسمي نفسه بناشط حقوقي يتحدث وبحماس مبالغ فيه عن ظلم المجتمعات العربية للمرأة وحرمانها من حقوقها السياسية وتهميشها في المجالس من خلال منحها مقاعد قليلة وغاب عن هذا المتسلق أن للمرأة العربية أولويات فأين ذهبت حقوقها الإنسانية والاجتماعية؟ فهناك احتياجات أساسية كحق التعليم وغيره لم تحصل عليه كثير من النساء حتى الآن وهناك تحديات يومية ومصاعب تواجهها المرأة سواء المرأة العاملة أو الأم التي تراعي أولادها داخل وخارج منزلها لم يلتفت لها كثير من المشرعين والناشطين الحقوقيين الذين ملأوا الفضائيات والصحف بكاء ونواحا على حقوقها المهدورة والتي مللنا من سماعها دون أن نرى تحركا فعليا يخدم مصالحها واحتياجاتها الفعلية. فمطالباهم تدور في فلك تحرير جسد المرأة والحرب على الأديان وتمجيد الغرب. بينما تبقى كثير من القضايا الخاصة بالعنف الأسري والتحرش الجنسي وحقوق أبناء الزيجات "السياحية "ومعاناة المرأة المعلقة بعيدة عن أطروحاتهم. فلم أسمع يوما بناشط حقوقي تحدث عن معاناة النساء المعلقات وطالب بإنصاف هذه الفئة المغيبة والمضطهدة. رغم أن أعداد المعلقات في ازدياد وبعض المعلقات يقضين سنوات طويلة مهجورات يعانين الأمرين فلا هن زوجات ولا هن مطلقات. يتجرعن بصمت الألم ويعانين من مرارة الحرمان جراء قسوة الزوج وإهماله وتجاهل المجتمع لمعاناتهم. ومن المعلقات من أفنت شبابها في دهاليز المحاكم في سبيل الحصول على الطلاق والتحرر من هذا الوضع المزري. وفي النهاية يخرج معظمهن وبعد الحصول على الطلاق -وبشق الأنفس - خاليات الوفاض دون أن يحكم لهن القاضي بتعويض مادي جراء الضرر الواقع عليهن طوال السنوات الماضية والتي بقين فيها معلقات بلا حقوق وبلا نفقة بسبب تعنت أشباه الرجال وتجاهل المجتمع والناشطين الحقوقيين لأحوالهن المتردية ولا عجب في ذلك فمثل هذه الحقوق وتلك القضايا "ما توكل عيش" وليست بذات أهمية بالنسبة لهؤلاء المتسلقين. 
للأسف قضايا وهموم المرأة الفعلية مغيبة حتى من قبل بنات جنسها ممن يترشحن للحصول على مقعد في المجالس والبرلمانات العربية فالمرشحات يتسابقن عند بداية ماراثوان الانتخابات في الحديث عن قضايا المرأة وحقوقها ليس اعترافا بحقوقها المهدرة بل لكسب دعمها وصوتها للوصول للكرسي وحالما يصلن لأهدافهن تختفي الشعارات والوعود مما حول وجود المرأة وتمثيلها في تلك المجالس إلى مجرد ديكور. فنادرا ما نشاهد سيدات يدافعن عن قضايا وهموم المرأة الحقيقية في المجالس ويطالبن بتشريعات وسن قوانين تخدم بنات جنسهن وتعالج قضايا المرأة والأسرة بشكل يحقق العدالة للمرأة ويحافظ على تماسك المجتمع. وفي وسائل الإعلام الوضع ليس بأفضل حال فقضايا المرأة تحتل أسفل سلم اهتمامات القائمين على تلك القنوات. الصحف. الإذاعات فالحديث عن احتياجاتها الحقيقية وهمومها يتم في وسائل الإعلام-عادة- بشكل عابر وسطحي ودون وجود مساعٍ حقيقية وجادة لإيجاد الحلول الجذرية لهذه القضايا. فحينما تحدث مأساة تزلزل المجتمع أو تثار فضيحة تشغل الرأي العام يتسابق الإعلاميون ودعاة حقوق المرأة للحديث عنها ويبدأ مسلسل اللطميات والشجب والاستنكار ومع مرور الأيام تخفت الأصوات ويتناسى الجميع الحادثة ونعود لنسمع ونشاهد نفس القضايا والحوارات المتكررة والتي لا ترتقي لهموم المرأة البسيطة والكادحة والتي تعاني للنهوض بأسرتها من ركام الفقر والحاجة وغدر الأزواج بينما يتسابق المتسلقون لتحقيق المكاسب ونيل الأضواء على حساب معاناتها! فيا أيها المتسلقون الحقوقيون كفوا عن المتاجرة بالنساء وقضاياهم...رجاء"خلونا في حالنا"

الجمعة، 23 أغسطس 2013

جعلوني إخوانية !!




في كل مرة أحاول الخروج من دائرة الأحداث المأساوية التي تمر بها الأمة العربية والبحث عن بصيص الأمل بقرب انفراج الأزمة المصرية والسورية ونهوض شعوبنا من ركام سنوات طويلة من القمع والطغيان أصدم بكم العقول التي تتوق لاستمرار بقاء جلاديها على كراسي الحكم وكأنهم عاجزون عن تنفس هواء الحرية وتقبل فكرة التحرر من الأنظمة القمعية التي فعلت بشعوبها ما لم يفعله نيرون بروما وأهلها!

فما يكاد النقاش يبدأ سواء في المجالس أو على مواقع التواصل الاجتماعية حول الأزمة المصرية وما حدث في رابعة العدوية وميدان النهضة من قتل وحرق لمدنيين عزل وإعلان البعض وأنا منهم عن رفضنا لمسلسل إراقة الدماء المصرية وانتهاك حرمة المساجد بهذا الشكل الوحشي -بحجة فض الاعتصامات- حتى يبدأ مسلسل التخوين والحديث عن جرائم الإخوان -المزعومة- في العالم العربي. وكأنهم يحدثوني عن جرائم شارون وليس عن أحداث تنقل بشكل مباشر وبالصوت والصورة!!
 حينما أعلن رفضي للمجازر والتنديد بقتال الأخوة وما حدث من حرق خيام المعتصمين يبادرني المؤيدون لتلك المجازر الوحشية بالهجوم الشرس ضد المعتصمين العزل وضد الإخوان وكأنهم السبب الرئيسي وراء كل ما جرى ويجري للمصريين من ويلات ومصائب.ويكرر البعض في سؤال أشبه بالاتهام "هل أنتي من الإخوان؟" وكأن علي أن أتحرر من الإنسانية ولا أستنكر قتل المعتصمين. وعلي أن أتقبل مبررات القتل والحرق التي يتم الترويج لها من قبل العسكر في مصر -والذين ادعوا في السابق أنهم انقلبوا على الرئيس الشرعي حقنا لدماء الشعب المصري- دون أدنى نقاش حتى لا أوصم بدعم الإرهاب والتطرف الإخواني!
المذبحة التي حدثت في مسجد رابعة العدوية ومنظر الجثث المتفحمة -والتي تذكرني بمجازر بورما وما قام به العسكر ضد مواطنيهم المسلمين - ستبقى نقطة سوداء في تاريخ العسكر في مصر. وشاهد على نفاق كثير من الأنظمة العربية التي دعمت تلك المجازر بالمال بحجة محاربة الإرهاب والذي لا يوجد إلا في عقولهم وعقول آلة الإعلام التي يسيطرون عليها بأموالهم ودعم بلطجيتهم المأجورين والذين يظهرون هذه الأيام على شاشة التلفاز وعلى صفحات الجرائد مهللين فرحين بذبح المعتصمين الرافضين لانقلاب العسكر. وكأن القتلى مرتزقة أجانب وليس جزءا من الشعب المصري!
أحداث مصر المأساوية كشفت أقنعة كثير من الناشطين الحقوقيين سواء في مصر أو غيرها من البلدان العربية. فمعظمهم أداروا ظهورهم للمجازر وصرخات المعتصمين وكأن الأمر لا يعنيهم بشيء. كما كشفت أقنعة عديد من ملاك القنوات الفضائية. والذين طالما تحدثوا عن دعمهم لحرية الرأي وحق الشعوب في التحرر من حكم الطغاة. فقبل عدة أيام قام أحدهم بإقالة رئيس قناته الإسلامية ذات التوجه الوسطي المعتدل -كما يحب أن يطلق عليها -بحجة دعم التطرف الإخواني من خلال بضع تغريدات له على موقع تويتر الاجتماعي عبر في تلك التغريدات "المتطرفة" – كما يطلق عليها هذا الملياردير- عن رفضه للانقلاب العسكري في مصر وما يحدث فيها من مجازر مروعة. فالملياردير الذي كثيرا ما تحدث عن حقوق الشعوب في تغريداته وتغنى بالربيع العربي قرر خلع القناع وتقمص شخصية جورج بوش الابن ورفع شعار "إن لم تكن معي فأنت ضدي" ورفع الكارت الأحمر في وجه الداعية -الذي طالما أمطره حينما كان رئيسا لقناته بعبارات الثناء والمديح - بعد أن اكتشف أنه "إخواني" رافض للانقلاب على الشرعية في مصر. فأين ذهبت شعارات هذا الثري وحديثة عن حرية التعبير.وحق الشعوب في التحرر من حكم الطغاة؟!!

السيسي ومجزرة التفويض



 يبدو أن مقولة جوزيف غوبلز وزير الإعلام الألماني في عهد هتلر "اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس" أصبحت شعار كثير من الطغاة ومصاصي الدماء من بني البشر والذين يظهرون بعد كل مذبحة تحدث -بفضل الإعلام المضلل في العالم العربي- بهيئة الوطنيين الشرفاء ومنقذي الأمة من شر الإرهابيين. فهاهو الفريق أول عبدالفتاح السيسي يسير على نفس نهج جوبلز ولكن مع اختلافات هائلة. فجوبلز استخدم هذا المبدأ لأهداف واضحة وأهمها تجنيد الشعب الألماني وتوحيد صفوفه أمام قوى عظمى تريد الشر ببلاده. أما السيسي ومؤيدوه من داخل وخارج مصر فيبدو أنهم مجبولون على الكذب والخداع وتلفيق التهم لمعارضيهم للسيطرة على كرسي الحكم بعد الانقلاب العسكري المشؤوم. فالأحداث الجارية والمجازر المروعة التي حدثت في رابعة العدوية وغيرها من المناطق تؤكد أن الجيش ما عاد للمشهد إلا ليبقى في الحكم من جديد وليس كما يردد هو والأبواق الإعلامية المأجورة التي ترقص طربا على إيقاع جرائمه.
دعوة السيسي للشعب المصري لتفويضه من أجل قمع المعتصمين والرافضين للانقلاب على الشرعية بحجة محاربة الإرهاب قد أزالت القناع أخيرا عن حقيقة الانقلاب وأهدافه.فهاهو السيسي يغالط نفسه فرغم تكراره مرارا على نبذ العنف بكافة أشكاله واحترام إرادة الشعب المصري يمهد لحملة قمع دموية ضد الرافضين للانقلاب ومن تعاهدوا على الثورة على القمع والطغيان.
كل الأصوات التي أعلنت رفضها لما حدث من إزهاق للأرواح وقتال الأخوة قوبلت بحرب شرسة من الأبواق الإعلامية الداعمة للسيسي في انتهاك صارخ لحرية الرأي التي يتشدقون بالدفاع عنها. وبالطبع كانت التهم معلبة وجاهزة للتوزيع. فيكفي أن تعلن رفضك لتلك المجازر المروعة والتنديد بها حتى تصبح إخوانيا ومن القاعدة وأحد طيور الظلام. وكأن تلك الأرواح التي أزهقت رخيصة ولا قيمة لها!!
هذه الممارسات الفاشية وقمع الرأي الآخر يطرح سؤالا أخلاقيا وجوهريا يمس إنسانيتنا وآدميتنا: كيف يمكن تبرير إزهاق الأرواح وأنهار الدماء التي سالت في نهار رمضان؟ كيف يمكن تبرير رفع الأخ سلاحه في وجه أخيه وقتل المدنيين العزل؟
رغم عدم وجود ممارسات حقيقية تدل على الإرهاب الإخواني- كما يسمونه- في الميادين. ورغم أنهار الدماء التي سالت أمام أنظار العالم أجمع في رابعة العدوية وغيرها من الأماكن لا يزال البعض يكيل الاتهامات للمعتصمين. ويبارك جرائم السيسي. وقتل الأبرياء على يد القناصة. ويردد الأكاذيب التي تطلقها الماكينة الإعلامية السوداء بحق مؤيدي الشرعية. ويتشمت بالقتلى الذين سلبت أرواحهم وفي نهار رمضان دون أي ذنب أو جريمة سوى أنهم رفضوا أن يرجعوا لعنق الزجاجة حيث القهر والظلم والاستبداد.
ذكرني دعم الفنانين والإعلاميين في مصر لجرائم السيسي ومباركتهم لمجازره التي ارتكبها بحق أبناء شعبهم وخروجهم في مظاهرات مؤيدة له رغم أنه نسخة مكررة من النظام السابق بعشاق العبودية. فهناك نوعان من البشر نوع يناضل لأجل التحرر من العبودية وحياة الاستبداد ويدفع حياته ثمنا لأجل حلمه لأنه مؤمن بأنه خلق حرا. ونوع آخر يعشق ذل العبودية ولا يتخلى عن عبوديته أبداً حتى لو جاءته الفرصة للتحرر لأنه لا يستطيع العيش من دون سيد يذيقه أصناف العذاب. وكما يقول المثل "لو أمطرت السماء حرية...لرفع العبيد الشمسية"!

السوريون ولحم القطط !!




يكثر الساسة والإعلاميون العرب هذه الأيام من الحديث عن خطر "الإخوان " المسلمين ومخططاتهم المزعومة. ويهللون فرحا بالانقلاب الذي قام به العسكر ضد الرئيس الشرعي لمصر محمد مرسي بينما ينسون أو يتناسون الحديث عن جرائم الطاغية بشار الأسد واستخدامه للسلاح الكيماوي- المحرم دوليا- ضد المدنيين العزل وتجويع شعبه المغلوب على أمره. فالتحذير من الخطر الإخواني أكثر أهمية من الحديث عن قضية شعب يتعرض للإبادة والفناء منذ أكثر من عامين!!
مواقف بعض الدول العربية من القضية السورية لا تختلف كثيرا عن مواقف هؤلاء الإعلاميين. ففي الوقت الذي يعاني فيه المدنيون العزل في سوريا من القتل والتشريد والجوع. والذي وصل لحد المجاعة حتى أفتى لهم بعض العلماء بأكل لحم القطط لسد جوعهم يدفع حكام بعض الدول الخليجية عشرات المليارات لدعم الانقلاب ضد الرئيس المصري والذي جاء من خلال صناديق الاقتراع ومن خلال انتخابات حرة ونزيهة!!
 هذه المواقف المتناقضة تثير حيرتي وتدفعني للتساؤل من هو الأحق بالدعم والمساعدة وتلك المليارات نضال شعب مهدد بالفناء بسبب تمسك رئيسه –غير المنتخب- بكرسي الحكم الملطخ بدماء مئات الآلاف من أبناء شعبه الكارهين لحكمه الدموي وطغيانه أم دعم التيارات التي لا تتقبل –كما بعض الدول الخليجية – فكرة أن يحكم مصر رجل ملتح جاء من عباءة الإخوان المسلمين؟!!
ليت تلك الأموال التي أنفقت لإزاحة مرسي والتخلص من الخطر الإخواني كما يسمونه خصصت لإغاثة المحاصرين في حمص وغيرها من المدن السورية. والمهددين بالموت قتلا أو جوعا أو اختناقا بغاز الساريين. فأخطاء مرسي والإخوان المسلمين مهما كانت لا تقارن بجرائم النظام السوري. ولا بالوضع الخطير والمتدهور في المناطق المحاصرة منذ شهور والذي أقل ما يقال عنه مأساوي وينذر بمجاعة كبيرة كتلك التي حدثت في الصومال وغيرها من الدول الإفريقية
وقد دفع تدهور أوضاع المحاصرين بكثير من المنظمات الدولية لتوجيه نداءات عاجلة لتقديم المساعدات للشعب السوري المنكوب. فثلثا سكان سوريا مهددون بالمجاعة. وقد حذرت منظمة الصحة العالمية من تدهور الأوضاع داخل حمص وأكدت أن واحدا من بين كل أربعة من السكان بحاجة لمساعدات إنسانية عاجلة.
وبينما تناشد المنظمات الدولية المعنية بحقوق الأطفال دول العالم لحماية مليوني طفل سوري من ويلات الحرب التي أشعلها الطاغية بشار وجعل وقودها جثث الأطفال والمدنين العزل يتجاهل الإعلاميون العرب مأساة أطفال سوريا والذين يتعرض كثير منهم للقتل والاغتصاب واستخدامه كدرع بشري على يد قوات الطاغية وشبيحته!
صور الأطفال السوريون الجوعى وأشكالهم الهزيلة والتي تذكرني بمجاعات إفريقيا لم يهتز لها مشاعر هؤلاء الإعلاميين والساسة الذين أصموا أذاننا بنواحهم وبكائهم على الحريات التي رحلت بوصول الإخوان للحكم في مصر بينما تجاهلوا عن عمد حق الشعب السوري في الحياة. فقتل الأطفال وهدم المنازل على سكانها وقصف المستشفيات وانتهاك أعراض الحرائر وتجويع شعب قضايا ثانوية وليست بمستوى خطر الإخوان والذي ملأوا الفضائيات وأعمدة الصحف حديثا عنه وتحذيرا منه!

نحن أمة ولسنا طائفة


حينما أقرأ مقالات عن الاحتقان الطائفي والمذهبي في الدول العربية ومناداة البعض بوضع كاميرات مراقبة في المساجد والكنائس لمحاربة خطابات الكراهية يتبادر إلى ذهني سؤال ملح: هل ستتمكن تلك القوانين ـ في حال صدورها ـ من وأد الطائفية المنتشرة في بلداننا العربية ونزع بذور الكراهية من الصدور والمساعدة على التعايش السلمي بين أصحاب الديانات والمذاهب المختلفة؟
ما من شعب على وجه الأرض لم يقع في براثن الصراع الطائفي ولم يعان من الاحتقان الطائفي والمذهبي في مرحلة من مراحل تاريخه. وقد تكون الشعوب العربية من أكثر شعوب الأرض التي تعاني من هذا الداء ورغم الأحداث المأساوية التي مرت بها الأمة لم نستفد من أخطاء الماضي.
فحالما تتصاعد حدة الخلافات بين الفرقاء وتتسارع الأحداث يبدأ العزف على وتر الطائفية وإشعال فتيل الاحتقان الطائفي وحشد وتأليب الرأي العام.
فالاحتقان الطائفي كان السبب في اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975م وقاتل فيها أبناء الشعب الواحد ضد بعضهم البعض، وكان القتل يتم وفق الديانة - كما يحدث في العراق الآن- فرفع أبناء الوطن الواحد مدافعهم وبنادقهم تجاه صدور بعضهم البعض وليس باتجاه عدوهم المشترك وهو الكيان الصهيوني الذي كان يحتل أرضهم ويسرق أنهارهم!
ما حدث في الحرب الأهلية في لبنان من أحداث طائفية ومجازر مروعة أسهم في تشريد مئات الآلاف من مختلف المذاهب والطوائف من مناطقهم بسبب حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
فتبني قادة الأحزاب الدينية والسياسية في لبنان للشعارات الطائفية وتأجيج الفتن الداخلية أسهم ولا يزال يسهم في فرقة أبناء الوطن الواحد وتمزيق الوحدة الوطنية وانتهاك الحرمات وقتل الأبرياء، ونيران الحرب التي يوقدها تجار الحروب وأعوانهم في بلداننا العربية لا توفر امرأة ولا طفلاً ولا شيخاً ولا تكترث لحرمة بيت أو مسجد أو كنيسة.
ما يتعرض له الشعب السوري منذ عامين من إبادة على يد الطاغية ونظامه الوحشي والتدخل السافر من قبل قوات ما يسمى بحزب الله اللبناني ـ الموالي لإيران ـ يعيد للأذهان ما حدث في الحرب الأهلية في لبنان من مجازر مروعة، فالقتل الوحشي والتمثيل بالجثث يتم وفق الهوية وكذلك التهجير القسري.
فالمليشيات الطائفية المسلحة التي أرسلها زعيم حزب الله حسن نصر الله والمعروفة بتاريخها الدموي شاركت في ذبح الآلاف من المدنيين السوريين الأبرياء وتقديمهم قرباناً لحليفهم المجرم كما فعلوا من قبل في الفلسطينيين في لبنان الذين أشبعوهم قتلا وتنكيلاً بينما يزعمون أنهم يسعون لتحرير القدس.
فالمدعو حسن نصر الله يريد أن يمزق وحدة سوريا ويحولها إلى عراق آخر قائم على الطائفية والهمجية بعد أن نجح شركاؤه في العراق والذين قام بتدريبهم على القتل والتدمير في تحويل بلاد الهلال الخصيب إلى دولة مليشيات طائفية مسلحة.
كان بيد كثير من المشاهير في عالمنا العربي سواء من خطباء أو إعلاميين أو سياسيين الفرصة لاستنباط العبر من الأحداث المأساوية التي مرت بها أمتنا في الماضي والمساهمة في حماية الوحدة العربية والإسلامية من خلال بث كثير من رسائل المحبة والعمل على إيقاظ مشاعر الإخاء بين الفرقاء والمساهمة في نزع فتيل الاحتقان الطائفي الذي ما يكاد يخمد في بلد عربي حتى يشتعل في أخرى، ويقولون للجميع: نحن أمة ولسنا طائفة فتعالوا لنبني الأوطان معاً بدل أن نتقاتل ونحول بلداننا العربية وساحاتها لميادين قتال ومشاحنات وكراهية مما يساهم في تحقيق أحلام أعداء الأمة الطامحين إلى خلق شرق أوسط جديد قائم على الطوائف والمذاهب المتناحرة.
رغم ما مرت به الأمة من ويلات وحروب طائفية طوال السنوات الماضية إلا أن هذه المآسي لم تؤثر في كثير من القادة السياسيين خاصة في البلدان التي تكتوي بنيران الطائفية فكثير منهم اختار الجري خلف مصالحه ورفع شعار "أنا ومن بعدي الطوفان" وقرر أن يبيع نفسه لمن يدفع أكثر من القوى الخارجية سواء إيران أو غيرها من الدول الطامحة لاحتلال أراضينا ونهب ثرواتنا فساهم في لعبة الطائفية وزيادة التوتر بين "السين "و"الشين" و"الواو" كما يسمونهم وتأجيج الفتن بين اتباع الديانات المختلفة في عالمنا العربي من خلال نشر الإشاعات المغرضة وتأليب أبناء الوطن الواحد ضد بعضهم البعض والدفاع عن مجرمي الحروب ومن أسهموا في انتهاك الحرمات وقتل الآلاف من المدنين الأبرياء وكل هذا من أجل زيادة أرصدتهم في البنوك!
وتر الطائفية الذي تعزف عليه معظم الأنظمة القمعية لحماية نفسها من وعي شعوبها والتغطية على جرائمها وما تقوم به من نهب ثروات شعوبها مستمدة من القوى الخارجية العون والمساعدة ومن المليشيات الطائفية القوة لنشر الرعب وزرع بذور الكراهية بين الإخوة سيكتوي بنيرانها الشيني والسيني والمسيحي والكردي وجميع الطوائف والملل والعرقيات التي تسكن عالمنا العربي، فنيران الحروب لن ترحم طفلا أو شيخا ولن يخرج منها أحد منتصراً إلا أعداؤنا فعلينا أن نوحد الصفوف ونتعاون للدفاع عن وجودنا ومصالحنا كأمة واحدة لها أعداء كثر لهم أديان مختلفة ولغات متعددة وهدف واحد مشترك هو القضاء علينا ونهب ثرواتنا، فلا عيش ولا استمرار لنا إلا بالتعاون ونبذ الخلافات جانباً.

الأحد، 30 يونيو 2013

العرب وملحمة الفناء



الصمت الدولي أمام ما يحدث في العالم العربي من مجازر خاصة مجزرة القصير ومجزرة الحويجة يشعرني بأننا أمام ملحمة فناء عربية. ففي ظل انهيار منظومة القانون الدولي وحقوق الإنسان لم يعد للعربي ودمه المهدر قيمة. فالعالم يشاهد في كل يوم المجازر المروعة والتي يندى لها جبين الإنسانية في سوريا. ويرى ما يحدث للعراقيين بعد وصول المليشيات المذهبية المسلحة للسلطة من قمع وتعذيب للمعتقلين في السجون وفي النهاية يدير ظهره مكتفيا بالشجب والاستنكار!
حينما أشاهد القنوات الإخبارية وما تبثه من أحداث مأساوية في العراق وسوريا أشعر بالقلق الشديد وأسأل نفسي: من التالي؟ فنيران الحروب والمجازر والفتن الداخلية طالت معظم بلداننا العربية ولم يبق بقعة خضراء سوى دول الخليج. فالحروب لم تتوقف يوما في المنطقة العربية وكأنها تتوالد فما تكاد تخمد نار الحرب في منطقة حتى تشب في منطقة مجاورة. وحتى بعد انسحاب قوات الاحتلال الأمريكي من العراق لا تزال المنطقة غارقة بالنزاعات والحروب التي أكلت الأخضر واليابس. فقد قرر صناع القرار الأمريكي بعد تسليمه العراق- على طبق من ذهب- لإيران أن يغير خارطة العالم العربي من خلال سياسة دموية قائمة على إغراق المنطقة بنزاعات وحروب مفتعلة وتجاهل المجازر التي قامت بها المليشيات المذهبية المسلحة في سوريا والعراق ولبنان والتي تدعمها إيران بالمال والسلاح والاكتفاء بسياسة التنديد والتهديدات الجوفاء دون حلول عملية تعيد الأمن والاستقرار في تلك الدول. ففي كل مرة ترتكب فيها مجزرة يروح ضحيتها الآلاف من الأبرياء يخرج علينا الساسة الغربيون ومجلس الأمن بقرارات التنديد ثم الصمت لتذهب شعاراتهم وحديثهم الدائم عن حقوق الإنسان أدراج الرياح!
النزاعات المسلحة وحالة الفوضى التي تعم الدول العربية هذه الأيام يدشن العالم فيها كما يقول الدكتور مهند العزاوي في مقالته "حرب تلد أخرى" مرحلة جديدة من التفكك الدولي فصناع الحروب يقومون على تجزئة الحروب الكبرى إلى حروب خاصة ونزاعات ديموغرافية متعددة الأوجه. ولم يعد هناك نظام دولي يعتمد القانون وتطبيق العدالة فقد أسقطت الدول الكبرى كأمريكا وبريطانيا وروسيا الأقنعة وأظهرت الوجه الحقيقي لها وبدأت تتنافس فيما بينها للوصول إلى الرقع الخضراء وتحويلها إلى رقع حمراء ملتهبة لتغيير خارطة عالمنا العربي من خلال إشاعة الأزمات المفتعلة بغية استمرار الحروب التي تتغذى عليها مصانع الأسلحة -التي يملكها كبار الساسة في تلك الدول- وشركات الأمن والمرتزقة والتي أصبحت عائداتها تفوق عائدات النفط العربي.
خارطة الشرق الأوسط الجديد التي يحلم بها الغرب الآن ترسم بالدم العربي فالشعوب العربية الغارقة بهمومها ومشاكلها الداخلية أصبحت دون أن تعلم وقودا لمخططات تلك الدول الطامحة إلى "سايكس بيكو طائفي مذهبي" ينتج دويلات مذهبية متناحرة حتى تستمر مصانعها في التغذي على أموال ودماء العرب. فمتى تستيقظ الشعوب العربية ومن قبلها الحكام العرب من هذا السبات وقبل أن نفنى جميعا على يد صناع الحروب؟!
 

اللقيطة


 

اطلعت قبل سنوات طويلة على رواية "لقيطة" للروائي المصري محمد عبدالحليم عبدالله , كانت الراوية – من وجهة نظري – من اجمل الروايات التي تحدثت عن واقع اللقطاء في العالم العربي, ومعاناتهم من قسوة المجتمع والتمييز الظالم والذي يصل إلى درجة النبذ ,ورغم أن بطلة العمل الممرضه "ليلى" وجدت من يمسك بيدها ويقدم لها الحب والرعاية لتتجاوز واقعها المر وتعيش الحياة كما تحب وتشتهي و دون ان يطاردها الماضي إلا أن النظرة القاسية تجاه اللقطاء وتحميلهم اخطاء آبائهم طوال الوقت دفعت بالبطلة في النهاية للاستسلام لواقعها والظروف المحيطه بها فتلبست بالتشاؤم رغم  التقائها اخيراً بوالدتها ورغم وجود شخص اختار ان يتزوجها رغم معارضة عائلته لارتباطه بفتاة مجهولة النسب ,فالبطلة اختارت الموت في ريعان شبابها على ان تقطع ذراعها التي تعرضت لجرح من مشرط الجراحة مما تسبب في تسممها وتدهور صحتها فهي لم تعد تتحمل فكرة رفض المجتمع لها,فالمجتمع نبذها رغم جمالها ,فكيف سيقبلها بذراع واحدة ؟

 ما يميز هذه الراوية أنها ليست عن فرد بعينه بمقدار ما هي  رواية عن الانانية وعن المجتمع الظالم الذي ينكر على من قسا عليهم الدهر وغدر بهم آبائهم حق الحياة وتحرض المجتمع على أن يقبلهم بين صفوفه  دون أي تمييز ظالم فيكفيهم ما تعرضوا له من الظلم , والعيش بلا أب ولا أم ,مجهولي النسب يحملون اسماء وهمية ,متنقلين بين المؤسسات الإيوائية أو في الشوارع, تطاردهم وصمة مجتمعية "سلبية" وعيون تنظر لهم بإزدراء ودونية فقط لأنهم مجهولوا النسب.

تذكرت هذه الراوية الجميلة وأنا أقرا قصصا واقعية تعصر القلب الما وحزنا كقصة "مريم" و"أمل"اللتين اصبحتا حديث المجتمع السعودي فكلتاهما عاشت مرارة الفقر والحرمان والظلم المجتمعي كما حدث مع بطلة الرواية "ليلى" رغم أنهما نتاج علاقة شرعية  فمريم عاشت  27 عاما في كنف عجوز تشاديه فقيرة تعمل بائعة ملابس وهي تجهل حقيقتها وأنها ابنة لرجل اعمال ثري استغل نفوذه على أحد العاملين لديه ليرمي عليه ابنته بعد ولادتها بأيام ليقوم بتربيتها بحجة أنه متزوج بالسر من امرأة هندية بعقد "عرفي" ولا يريد أن ينكشف أمره لدى زوجاته وأبنائه, فقام بتسفير الزوجة خارج البلاد والتخلي عن أبنته للأبد, وقصة أمل لا تختلف كثيراً عن مريم التي اكتشفت بعد 37 عاما بأن الرجل الذي قام على تربيتها  وحرمها من التعليم وزوجها وهي بسن 13عاما لأول خاطب ليس بوالدها الحقيقي ,وأنها ابنة شرعية لرجل اختار أن يحولها للقيطة –خوفا من زوجته الاولى - ويرمي بها لرجل غريب ليرعاها مقابل منحه المال.

رغم عدم مسؤولية اللقيط عن اخطاء وجبن من اتوا به إلى الحياة – سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية- إلا أنه ما يزال يدفع ضريبة هذه الزلات قهرا وعناء وخاصة أنه يعيش في ظل مجتمعات تقدس الالقاب ويسود فيها ثقافة الرفض لهذه الفئة المظلومه,و كما يقول المثل "الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون" فتلك الارواح البريئة دفعت وستدفع ثمن زلة الآباء والأمهات وأنانيتهم طوال حياتها وستحمل وصمة مجتمعية "سلبية" تطاردها حتى الممات.

في رواية "لقيطة" اختارت البطلة أن تكون سلبية وتخضع لقوانين المجتمع الجائرة وترفع راية الاستسلام دون أن تحاول مواجهة الصعاب من أجل تغيير واقعها المليء بالقهر والشقاء لتموت في ريعان الشباب , بينما في قصة أمل ومريم كان موقف الصمود والمواجهة فخرجت قصصهما للعلن من أجل انتزاع حقوقهما ورفع الظلم الواقع عليهما وكلي أمل أن تنتهي حكاياتهما بخاتمة سعيدة .

 

 

 
 

الأربعاء، 1 مايو 2013

تعرف أحد؟





في الشهر الماضي أرسل لي أحد القراء العراقيين رسالة استغاثة يطلب فيها المساعدة في علاج طفلته التي تعاني تشوها في إحدى قدميها فوقعت في حيرة من أمري، فالأمر يتجاوز حدود طاقتي وبريدي يمتلئ في كل يوم بالعديد من الرسائل التي يطلب فيها أصحابها العون والمساعدة ولكنني عزمت على البحث عن من يساعد الطفلة الصغيرة ويخرجها من العراق من أجل العلاج وكانت المهمة صعبة في ظل رفض والدها لتسليط الأضواء على حالة أبنته فهو يخشى على عائلته – كما هو حال الآلاف من السنة – من بطش الحكومة العراقية فالطائفية أصبحت شغلها الشاغل ونهب ثروات الشعب العراقي مما حول حياة الملايين من العراقيين إلى جحيم لا يطاق وحول العراق الذي كان يعد أغنى دولة عربية إلى أفقر دولة ومكان لا يأمن فيه الإنسان على نفسه وعائلته ويعاني في الحصول على حقوقه وأبسط الخدمات مما يضطره إلى أن يبحث عن حقوقه في العمل والعلاج خارج بلاده.
"تعرف احد؟" من أكثر الأسئلة التي تستفزني وتشعرني أننا نتسول الحقوق ولكنني اضطررت إلى طرحها على من أعرف وعلى من لا أعرف من أجل مساعدة تلك الطفلة المسكينة. وكانت محاولاتي المستمرة والحثيثة في طرق أبواب بعض الشيوخ والأمراء ورجال الأعمال من أجل علاج الطفلة تقابل في كل مرة بالرفض واللامبالاة وأحيانا بالإنكار الشديد لطلبي المساعدة لشخص مجهول لديهم! وأكثر ما أثار سخريتي أن أحدهم قبل فترة أهدى فنانة عربية سيارة غالية الثمن بينما يبخل اليوم في مساعدة طفلة لا تطلب سوى علاج قدمها. وبين اتصالات الأب المكلوم وخوفه على حياة طفلته وبين الأبواب التي كانت تقفل في وجهي في كل مرة أطلب مساعدة الحالة الإنسانية شعرت بالحزن الشديد فالمواقف كشفت لي زيف شعارات البعض وكذلك حرص البعض على مساعدة الحالات التي تظهر في وسائل الإعلام حتى يقال عنه المحسن الكبير ويمتدحه الشعراء ويثني عليه العامة.

بعد أن أعيتني الحيلة وأوصدت الأبواب أمامي وقلت الخيارات تناقشت مع الأب وقلت له إننا مجبرون على نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي وكذلك دخول الإعلام في قضية ابنته فبدون وسائل الإعلام لن نجد من يقدم العون والمساعدة للطفلة فوافق على مضض ونشرتها – ويالتني لم أفعل – فقد وصلني بعد نشر النداء الإنساني على صفحاتي في مواقع التواصل الاجتماعي وفي إحدى الإذاعات الخليجية اتصال من الأب شعرت فيها بانكساره وشعوره بالألم لطرح قضية ابنته في الإعلام فحتى تلك المحاولات لم تثمر عن نتيجة فقلت له: لقد طرقنا جميع الأبواب ولكننا نسينا أن نطرق بابا واحدا. فقال لي: ما هو؟ فقلت: باب الله. فهو الباب الوحيد الذي لن نحتاج فيه إلى سؤال الآخرين "تعرف أحد؟" فالتوكل على الخالق قولا واعتقادا هو من سوف يسوق لنا الخيرين وما علينا إلا الصبر والدعاء والاجتهاد في مساعينا حتى يسخر الله لطفلتك أحد الصالحين فيأخذ بيدها ويقدم لها العون والمساعدة.
ماراثون طرق الأبواب من أجل تلك الطفلة المسكينة تجربة اثرت كثيرا في وكم تمنيت لو أنني مررت بها من قبل. فرغم أنها كانت مليئة بالمرارة وشعوري بالإحباط واليأس وأحيانا الصدمة بشخصيات كنت أتوسم فيها حب الخير. إلا أنها كانت تجربة مثمرة علمتني عددا من الدروس أهمها التوكل على الله ليس باللسان فقط بل بالاعتقاد القلبي ثم الاجتهاد في البحث عن الأسباب لتحقيق أحلامنا بدلاً من اللجوء إلى الآخرين وترديد سؤال "تعرف أحد؟" وكما قال الدكتور سلمان العودة في آخر حلقة من برنامجه وسم: "يالله إن عرفتك فلن أحتاجهم".


صناعة القهر


لا أعلم أي روح شريرة تسكن عقول وأجساد بعض المسؤولين الذين ابتلينا بهم في القطاعات الحكومية التي تدار معظمها بنظام العلاقات والمحسوبيات, فما يكاد احدهم يصل إلى منصب مهم حتى يتحول إلى شخصية سادية تعشق التجبر والطغيان فيبدأ عهده الاستبدادي بجملة من القرارات التعسفية ومنع مرؤوسية من بعض حقوقهم وكذلك تصيد الأخطاء والهفوات لموظفيه المغلوبين على أمرهم مستمدا من منصبه وصلاحياته القوة لقهر وظلم من حوله والتحكم في مستقبل من هم أقل منه مرتبة فيصدر القرارات التعسفية والظالمة من مجازاة وخصم ولفت النظر ونقل تأديبي إلى أماكن نائية دون الاكتراث بحال وظروف موظفيه ومدى تأثير مثل تلك القرارات على أنتاجيتهم .
ويتفنن امثال هؤلاء المسؤولين الذين وصلوا لمناصبهم –غالبا دون تدرج وظيفي ومن خلال الواسطة والعلاقات الاجتماعية- بالقرارات ذات الطابع المزاجي متظاهرين بأنها جاءت لصالح العمل والموظفين, ليدفع الموظف المسكين في النهاية ثمن قراراتهم التي لا تستند على أي اساس واقعي بل بناء على رغبتهم في فرض عضلاتهم ,وتقديم الموظفين كقرابين للأدارة العليا من خلال سلسلة من القرارات والتعاميم التي تنتهك حقوق الموظفين وتدمر علاقاتهم الاجتماعية والأسرية.
 وقد نجد مثل تلك النماذج غير المبالية بحقوق الموظف في بيئات العمل الرجالية والنسائية وكذلك المختلطة, فتلك النوعية من الشخصيات تمتاز بالانانية و تبحث عن مصالحها الخاصة واستمراريتها في مناصبها لأطول فترة ممكنة حتى لو كان الثمن تدمير حياة الموظفين الأسرية, فينعزل الموظف بسبب ساعات العمل الطويلة ونظام الشفتات_الورديات- عن أسرته وأطفاله لتكون حياته عبارة عن رحلات مستمرة بين سريره ومكتبة .
حينما كانت صديقتي تشتكي لي من القرارات والتعاميم المجحفة  الصادرة من قبل الوزارة التي تعمل بها  والتي أصابتها بإلاحباط واليأس حتى وصل بها الحال للتفكير بالاستقالة للحفاظ على اعصابها وأسرتها تذكرت المثل المصري "الحكم فرحة ولو على فرخة"فما زال البعض يعتقد بأنه ان امتلك منصبا كبيرا وأصبح من صلاحيته إدارة اشخاص أقل منه مرتبة فمعناه انه امتلكهم وأصبحوا بمثابة العبيد له وأصبح من حقه قهرهم وتحطيم مستقبلهم حسب مزاجه ودون أن يشعر بالخوف من العقاب  أو الخجل من أفعاله التي قد تدفع ببعض مرؤوسيه للاستقالة مفضلين البطالة على تحمل الظلم والقرارات التي تتعامل معهم كالآلات وليس كبشر .
دائما ما نسمع عن تقييم الموظفين من قبل المدراء والادارة العليا ولكننا لم نسمع يوما عن تقييم الموظفين لقرارات وتعميمات المدراء و الادارة العليا ومعرفة رأيهم بمدى فعالية تلك القرارات, وهل ساهمت فعلا في جودة العمل وزيادة الانتاجية والحفاظ على مصلحة العمل -كما يدعي المسؤولون دائما -فمصلحة العمل اصبحت شماعتهم المفضلة التي لا يكلون ولا يملون من ترديدها في كل خطاباتهم وتعاميمهم التي لا تنتهي.
 دائما ما نسمع عن التطوير الاداري ودائما ما يفكرون بالانتاجية ويتحدثون عن رفع الكفاءة, ولكن نادرا ما يتحدثون عن حقوق الموظف نفسه ومدى مناسبة بيئة العمل لتحقيق الانتاجية المطلوبة, فأين حق الموظف بتقييم تلك القرارات؟وأين حق الموظف بتقييم  التعماميم التي تملا درج مكتبه؟ ليقول رأيه بتلك القرارات ومدى تأثيرها على عمله وحياته الخاصة .
حديث صديقتي المليء بالمرارة الممزوجة بالألم دفعني للتفكير بتأليف كتاب بعنوان "كيف تصبح حمارا"ففي عالم مليء بالمفارقات العجيبة والفساد الاداري والمحسوبيات نحن بحاجة لأن نتعلم من هذا الحيوان الصبر والتجلد في بيئات العمل حتى لا نفقد عقولنا .
 

الفضول القاتل

 


تعد ظاهرة التجمهر عند وقوع الحوادث المرورية أو الحرائق من الظواهر الاجتماعية الخطيرة والمنتشرة في كثير من المجتمعات ,وخاصة العربية, فهي تساهم في إعاقة وصول سيارات الاسعاف والمطافىء وتأخير عمليات الإنقاذ وكذلك تعريض المتجمهرين أيضا للخطر في حال تطور الحادث وتضاعف,وهذا السلوك الغير حضاري نشاهده كثيرا على الطرقات وفي الشوارع رغم التحذيرات الصادرة من الجهات الامنية بعدم التجمهر عند وقوع الحوادث من اجل السيطرة على منطقة الحادث بشكل آمن وفعال , فالبعض يرى ان هذه العادة من باب النخوة والشهامة ومساعدة المحتاج ومن المعيب ان يشاهد من هم بحاجته فلا يقدم لهم أي مساعدة والبعض الآخر يرى أن الظاهرة ما هي إلا فضول وحب استطلاع دون ان يفكر بأن فضوله قد يؤذي الآخرين ويهدد حياتهم وقد يساهم في عرقلة السير وإعاقة وصول سيارات الاسعاف لإنقاذ المصابين.
ظاهرة التجمهر بدأت تأخذ منحى آخر خطيرا فبعد تطور وسائل الاتصال تحول البعض إلى مراسلين وباحثين عن السبق  حتى لو كانت على حساب حياة الآخرين و اتحدث ومن واقع تجربة فقد كنت إحدى ضحايا التجمهر الفضولي ففي الأسبوع الماضي تعرضت وعائلتي لحادث مروري خرجنا منه -والحمدلله  - سالمين إلا من بعض الرضوض والكدمات لكننا اصبنا بالرعب الشديد جراء الحادث  وجموع الفضوليين الذين احاطوا بسيارتنا والسيارة الأخرى فما كادت سيارتنا تتوقف عن الدوران وترتطم بالحاجز الاسمنتي حتى توقف السير في الطريق وتجمهر الفضوليون  الذين جاءوا من كل حدب وصوب ليس لنجدتنا بل لا شباع فضولهم - القاتل- على حسابنا دون الاكتراث  بما حدث لنا,ووصل عدم المبالاة وموت الضمير بأحدهم إلى تصوير سيارتنا والوقوف بالقرب منها لوقت طويل ولم يحاول الاطمئنان على حال من هم بداخل السيارة وهل هم أحياء أم أموات !
رغبة  الشخص"المتطفل" في توثيق الحادث وتصويره من أجل نشره على مواقع التواصل الاجتماعي لنيل الشهرة و السبق في نقل الحوادث تحول لدى البعض إلى ادمان وهوس شديد,فما يكاد يقع حادث إلا ونجد عشرات وربما مئات الفضوليين قد تحلقوا حول مكان الحادث كالنسور الجارحة لالتقاط بعض الصور والمقاطع لوضعها على اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر دون الاكتراث بحال المصابين أو بمشاعر عائلات المتوفيين ,وقد لا تتورع تلك النوعية من المتجمهرين عن إيقاف سياراتهم على قارعة الطريق وتعريض أنفسهم والآخرين للخطر وتسلق الجدران ومزاحمة رجال الشرطة والإسعاف من أجل توثيق كل شيء والتقاط الصور لضحايا الحوادث حتى اشلاء الموتى لم تسلم من عبثهم ,فهل انعدم الشعور بالإنسانية لدى هؤلاء الأشخاص وأصبحت جثث الموتى مستباحة و رخيصة عندهم ؟!!
تلك السلوكيات الشاذة والاستهتار بالأرواح تعبر عن تربية خاطئة وقائمة على الانانية وعدم المبالاة وافتقار الشخص لحس المسؤولية وعندما تتنامى ظاهرة التجمهر داخل المجتمع فهي تجر معها خسائر هائلة سواء في الارواح أو الممتلكات وتؤثر سلبا على المجتمع وأمنه واستقراره.
انحسار هذه الظاهرة مرتبط بوعي المجتمع وطرق التعامل مع الكوارث والأزمات فقبل أن نطالب بسن القوانين ومعاقبة المتجمهرين علينا أن نعمل على تكثيف البرامج التوعوية والثقافية حول خطورة هذه الظاهرة وآثارها السلبية على المجتمع وعلى أداء الأجهزة المعنية بالأمن والسلامة حتى نحقق النتائج المرجوة فبدون الوعي بمخاطر التجمهر ستبقى هذه الظاهرة في ازدياد.

 

مشروع إرهابي!


حينما أخبرتني إحدى الزميلات عن رغبتها في إدخال ابنها لإحدى المدارس الأجنبية شعرت بالقلق، فاللغة هي العمود الفقري لهوية أي أمة. نصحتها بأن يبدأ بتعلم لغة القرآن أولا ثم يتعلم ما يشاء من لغات، فتلك المدارس الأجنبية المنتشرة في المجتمعات العربية والإسلامية تعد من التهديدات ذات التأثير السلبي على هويتنا العربية، فهي تنشئ جيلا غير مبال بلغته العربية رغم أن اللغة هي الركيزة الأساسية للحفاظ على هويتنا العربية والإسلامية، فالعبث باللغة هو بداية لتفكيك الشعوب وتمزيق البلدان والحفاظ عليها والتمسك بها البداية الحقيقية لنهوضنا من السبات الذي نعيشه، ولكن حديثي لم يعجبها فأجابتني ساخرة: ما البدائل؟ هل أدخله مدارس تحفيظ القرآن ليصبح ابني مشروعا إرهابيا؟
في الحقيقة لم أشعر بالدهشة من ردة فعلها وحديثها السلبي عن مدارس تحفيظ القرآن بسبب الهجوم المستمر عليها منذ سنوات من قبل وسائل الإعلام بحجة نشر الأفكار المتطرفة بين صغار السن، والنيل من تلك المدارس وتشويه سمعتها جعلت كثيرا من العائلات ترفض تدريس أبنائها في مدارس تحفيظ القرآن وتمنعهم من الدخول في حلقات تحفيظ القرآن في المساجد خوفا من التلاعب بعقولهم وأن يتحولوا إلى أفخاخ تستخدمها جهات خارجية للقتل والتدمير. وأتذكر أن أحد الكتاب كتب في صفحته على الفيس بوك عن معاناته مع عائلته وكيف أنه تعرض لضغوط شديدة من المحيطين به حينما أراد تسجيل ابنه في مدارس تحفيظ القرآن خوفا عليه من أن يتحول في المستقبل إلى إرهابي. مما أثار دهشتي وحيرتي، فهل يوجد مسلم على وجه الأرض يساوم على أهمية تعليم القرآن للنشء وتحفيظهم كتاب الله؟! أليس هذا القرآن الذي نقرأه على أطفالنا أورادا ونحصنهم به وكنا نسعى ونحن أطفال لحفظه كاملا ومن قبلنا أجدادنا الذين كانت عائلاتهم تتفاخر بدخولهم لحلقات تحفيظ القرآن عند "المطوع" و"المطوعة" وتقام الولائم عند ختمهم كتاب الله؟!
لا أعلم كيف تحول تعليم النشء تلاوة القرآن -وهو من الخير الذي يعد أعظم القربات إلى الله- إلى خطر يهدد العالم ونشر التطرف والإرهاب وكراهية أصحاب الديانات الأخرى- كما يزعمون- ولكنني على ثقة بأن الإعلام في العالم العربي مسيس ويسير لخدمة أهداف تيارات معينة تستعين به كالعادة عندما تريد التلاعب بالرأي العام وتحريضه ضد فئات معينة أو أفكار تتعارض مع أطروحاتهم وتسخر الكتاب المأجورين لسن أقلامهم المسمومة للهجوم والنيل من معارضيهم حتى وصل الحال بهم للحديث عن خطر حلقات تحفيظ القرآن على المجتمعات وأنها أحد منابع الإرهاب وتجنيد القتلة والإرهابيين، حتى أن إحدى الكاتبات قبل سنوات طالبت وبشكل صريح بإغلاق حلقات تحفيظ القرآن في المملكة -منبع الوحي والرسالة- بحجة أنها تخرج طلابا لا يفقهون شيئا في العلوم الأخرى.
التناقضات الكبيرة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية بسبب الانتقال السريع من وإلى مجتمعات تتميز بالمحافظة أو الانفتاح الشديد على الثقافات الأخرى والمطالبة بفصل الدين عن الدولة من أهم الأسباب في ضياع الهوية التي يعاني منها كثير من شبابنا الآن وجعل بعضهم يتأرجح بين التدين الشديد والإلحاد، فعلينا قبل محاربة التعليم الديني وكيل التهم لحلقات تحفيظ القرآن والعلوم الشرعية بحجة الخوف على الشباب من الفكر المتطرف، أن نعلم أبناءنا أمور دينهم ونمدهم برصيد قيمي وديني، ونقوي لديهم الاعتزاز بهويتهم العربية والإسلامية والحرص على الحفاظ على لغتهم العربية من العبث مما قد يساعدهم على الوصول إلى الوسطية، فلا يكونوا بعد ذلك دمى تحركها تيارات الفكر المتطرف سواء أقصى اليمين أو أقصى اليسار.

 

 

الثلاثاء، 5 مارس 2013

يقطع المساواة وسنينها



شهدت العقود الأخيرة في العالم العربي والإسلامي مطالبات متكررة من قبل الحركات النسوية بمساواة المرأة بالرجل وفي جميع الميادين وتحريرها - كما يزعمون - من عبودية الرجل الذي يريدها أن تتفرغ لخدمته وتربية أطفالها تماشيا مع الصورة البراقة التي رسمها الغرب لنسائه بأنهن سعيدات بعد أن انتزعن "حقوقهن" وتحررن من العبودية والاستكانة وإذلال الرجال وتم إيهام المرأة العربية بأنها قادرة على القيام بكل الأدوار سواء داخل أو خارج المنزل وبكفاءة عالية كما تفعل المرأة الغربية وكأن تلك النسوة يتحدثن عن مواكبة الموضة وشراء ماركات عالمية وليس عن حياة بشر ومسؤوليات متعددة ومستقبل أجيال كاملة واستنسخنا التجارب من خلف البحار دون الاكتراث بأهمية التروي عند التعاطي مع تجارب الغير وضرورة دراستها والتمعن في إيجابياتها وسلبياتها قبل الدعوة للسير على خطى المرأة الغربية خاصة أن اللبيب من يستفيد من أخطاء من سبقوه.
وتجاهلت الحركات النسوية في العالم العربي وهي تتغنى بإنجازات الناشطات في مجال حقوق المرأة كيف انتهت حياة معظم الناشطات الغربيات كأمثال سيمون دي بوفوار وجيرمين غرير وغيرهن كثير وحيدات وبلا أطفال. وتناست وهي تنادي بكسر القيود والثورة ضد الحجاب والمطالبة بالمساواة مع الرجال في كل شيء أن العديد من رائدات الحركات التحررية في الغرب قد تراجعن عن معظم تلك الأفكار التحررية ومنهن الكاتبة البريطانية – الاسترالية جيرمين غرير صاحبة كتاب "الأنثى الخصي" فالكاتبة التي اشتهرت بأنها من أكثر النساء اللواتي أسهمن في بلورة اتجاهات الحركة النسوية في الغرب تراجعت وبعد ربع قرن عن معظم أفكارها حيث ترى الآن أنها مع الحرية وليس المساواة مع الرجل. وأن حصول المرأة على حقوقها ليس معناه التضحية بأنوثتها أو بالعلامات الفارقة التي تميزها عن الرجل وقد توصلت لتلك الحقيقة متأخرة وبعد أن أيقنت أنها كانت تطارد السراب وأن إشباع غريزة الأمومة لا يعادلها أي مكاسب قد تحققها المرأة خارج منزلها. وأن الأمومة لم تكن يوما من الأيام وسيلة استعباد للنساء كما كانت تظن في السابق.
 قضية المساواة وتحرر النساء من سيطرة الرجال والتي كانت الشغل الشاغل لرائدات الحركات التحررية في الغرب ثبت فشلها والمرأة الغربية الآن تدفع ثمن تلك المطالبات وأصبحت مجبرة على القيام بعدة ادوار في ظل غياب الرجل الذي يمكن أن يخفف عنها الأعباء خاصة المادية ويساعدها في تربية الأطفال وأجزم أنه لو عاد الزمان بتلك النسوة مرة أخرى وخيرن أي الطريقين يسلكن المساواة والحرية أم الزواج والاستقرار وإنجاب الأطفال لاخترن الزوج والأسرة بدلا من مطاردة وهم المساواة الذي حرمهن الأمومة والاستقرار ولرددن "يقطع المساواة وسنينها " فأي إنجاز أو تكريم يمكن أن يعوض المرأة عن الزواج وإنجاب الأطفال؟!
الحرية..المساواة مصطلحات فضفاضة يحملها الإنسان ما يشاء من معاني لتخدم مصالحه وأهدافه وأكثر ضحايا تلك المصطلحات هم النساء اللاتي يتم استغلال مشاكلهن ومطالبهن بالحياة الكريمة من قبل بنات جنسهن - سواء من إعلاميات أو ناشطات حقوقيات- لنيل الشهرة والمال. والعجيب أن كثير من السيدات العربيات اللاتي يدعين أنهن ناشطات حقوقيات ومناصرات لحقوق المرأة "المهضومة" لا يمتلكن عند الحديث عن الحرية والمساواة مع الرجال معنى محدد للحرية أو المساواة التي يطالبن بها ويرددن كالببغاوات شعارات الغرب الرنانة حول الحريات وكسر القيود دون الاكتراث بالفوارق الدينية والاجتماعية التي تميزنا عن الغرب.
أنا هنا لا أنكر أن الكثير من النساء في عالمنا العربي يعانين الأمرين جراء اضطهاد أشباه الرجال أو حرمانهن من حقوقهن خاصة حق العمل ولكن هذا الحق لا يقدم على الزواج ورعاية الأبناء ويجب أن يتناسب مع ظروف المرأة وطبيعتها الجسمانية ولا يحرمها من منزلها ورعاية أطفالها والعناية بزوجها.
على من يسمين أنفسهن بناشطات حقوقيات ومدافعات عن حقوق المرأة العربية قبل الحديث عن الغرب وتمجيد إنجازات المرأة الغربية والحديث عن المساواة المزعومة المطالبة بخفض ساعات العمل للمرأة المتزوجة والمرأة التي ترعى أطفالها مع احتفاظهن بالراتب كاملا. فالمرأة بحاجة لمن يهتم لمشاكلها وهمومها ويطالب بحقوقها الفعلية ويتحدث عن الآثار السلبية لعمل المرأة المتزوجة لساعات طويلة أو بنظام الورديات"الشفت" كما يحدث مع الطبيبات والممرضات والعاملات في الدور الإيوائية وغيرها من المهن التي تحرم فيها المرأة من مشاهدة عائلتها والعناية بأطفالها بسبب طبيعة العمل فتوكل مهمة العناية بأطفالها للجيران أو الخادمة مما قد يؤثر سلبا على علاقتها بالزوج والأطفال وقد ينتهي بها الأمر مطلقة ووحيدة. فيا أيها الناشطات هذه عينة من الهموم والقضايا التي تشغل بال المرأة العربية التي تدعين الدفاع عن قضاياها فهل تنبرين للمطالبة بها أم أنها قضايا "لا تؤكل عيش" بالنسبة لكن؟!



 

العرب والإقصائية



وقعت بالصدفة اثناء ابحاري في عالم الانترنت على قصة جميلة يحكي فيها شاب إماراتي معاناته مع عائلة والده والتي نبذته منذ طفولته بسبب والدته الهندية وكيف كان ينادى دائما  داخل أسوار منزله "بابن الهندية "حتى نسي اسمه الحقيقي, ولم تتقبله عائلته وتعترف به إلا بعد بزوغ نجمه وحصوله على اعلى المراتب في عمله, وسواء كانت القصة حقيقية أو خيالية فقد أعجبتني وذكرتني بالواقع المرير الذي يعيشه البعض من أبناء الأمهات الاجنبيات والذين يدفعون ثمن نزوات أبائهم  طوال حياتهم فيتعرضون للسخرية والألقاب المهينة والظلم والذي قد يصل في بعض الأحيان لحرمانهم من حقوقهم في الجنسية والإرث ,هذه المعاناة التي يتعرض لها الكثيرون بسبب لونهم أو عرقهم والتي تتعارض مع ديننا الذي يحث على العدل والمساواة  بين بني البشر والبعد عن التنابز بالألقاب تطرح سؤالا مهما وملحا لماذا يتم قمع المختلف عنا سواء في لونه أو جنسيته ؟ , ولماذا لا نعترف باختلاف الآخرين ونحترمهم كما هم؟
الانحياز لذات العرق والجنس يكاد يكون توجها بشريا عاما وفطريا إلا أن هذا التوجه قد يكون حجر عثرة في طريق بناء الأمم وتطورها فعندما ينظر لفئة معينة دون غيرها على أنها تستحق افضل معاملة ,فهذا الأمر يقود إلى هدر حقوق الفئات الأخرى وظلمهم, وهذه العنصرية الذميمة والتي تدمر المجتمعات حاربها الدين الإسلامي  منذ البداية فجعل التقوى هي المعيار الوحيد للتمايز بين الإخرين وليس معايير النسب واللون  .
من الصعب حصر العنصرية في عالمنا العربي في جانب واحد كالزواج مثلا فمشاعر العنصرية تطغى على جوانب كثيرة ومختلفة في حياتنا وتؤثر عليها سلبا, بل أنها توجد حتى بين شعوب الأقطار العربية تجاه بعضهم البعض ,وهناك شعور بالتعالي والتفوق بين هذا الشعب وذاك وبدرجات متفاوتة, وهذا الأمر يدعو للقلق فالعنصرية ستبقى حجر عثرة أمام الوحدة العربية التي نطمح لها جميعا, فطالما بقيت تلك المشاعر والسلوكيات العنصرية بيننا سنبقى مشتتين وضعفاء أمام اعدائنا.

وللأسف أن العنصرية وصلت حتى إلى الإعلام العربي على الرغم من أن صناعة الإعلام يجب أن تنأى بنفسها بعيدا عن  الممارسات العنصرية التي تساهم في زيادة الهوة بين الشعوب العربية, فما يكاد يقع  خلاف بين دولتين عربتين حتى تسارع القنوات الفضائية والصحف في كلا الدولتين إلى التراشق الإعلامي وتبادل التهم والاساءة للشعوب , وفي السينما العربية مازالت عقلية صناعي الأفلام والبرامج الترفيهية عنصرية تجاه الخليجيين و اصحاب البشرة السوداء والذين يظهرون في الغالب بشخصيات( الساذج والخادم والكسلان) , بينما يتم تقديم شخصية الخليجي في معظم الأفلام العربية بطريقة سلبية وعدائية كشخص ثري وسطحي يحاول شراء النساء بأمواله., هذه التصنيفات العربية – العربية وهذه العنصرية الإعلامية المتبادلة والتي وصلت حتى إلى  الأخبار والبرامج الوثائقية التي تتسم بالجدية هي انعكاس حقيقي لواقعنا المليء بالعنصرية تجاه بعضنا البعض,فكيف نلوم الغرب وإعلامه على الصورة المشوهة للعرب بينما نحن نتسابق في الاساءة لبعضنا البعض واحيانا بلا سبب؟!
الكثير منا يدعي أنه يمقت ازدراء الآخرين ولم يمارس العنصرية  وإقصاء الآخر ونبذه بسبب -لونه أو جنسيته أو وظيفته- بحجة  أن التعصب ضد مبادىء ديننا  وأن ما يطلق من مفردات على الآخرين "كالعبد" و"ابن الهندية" و"بدوي"  و"صانع" وغيرها من المفردات ذات الطابع الاقصائي مجرد دعابة أو مجرد كلمات جرت على الألسن ليس ألا ,ولكن السلوكيات التي نشاهدها والعبارات التي نسمعها في كل يوم سواء داخل منازلنا أو في حواراتنا اليومية أو في الشارع تثبت العكس وتؤكد لي أننا متعصبون فعلا ونعشق الإنكار و البقاء داخل بالون من الأكاذيب والأوهام  .

السبت، 16 فبراير 2013

يا ليتنا من حجنا سالمين


عند بداية الإعلان عن برنامج الإبتعاث تناقشت مع إحدى الصديقات حول جدوى هذا البرنامج وأهدافه وكانت لكل منا وجهة نظر مختلفة، حيث كانت صديقتي من المعارضين للبرنامج تماماً وترى أن إبتعاث الشباب من الجنسين ليس تنموياً كما يروَّج له بل تغريباً وإستدلت على ذلك بعدم وجود خطط لإستيعاب مخرجاته بعد رجوعهم لأرض الوطن بينما كنت إستبشر بتلك البعثات على غرار بعثات السبعينيات والثمانينيات التي ساهمت وبشكل كبير في تطوير دولتنا.

في الأسبوع الماضي صدر أمر ملكي بتمديد المرحلة الثالثة للإبتعاث بالرغم من أن المرحلة الثانية لم تنته وهذا الخبر ذكَّرني بالحوار الذي حدث قبل سنوات بيني وبين صديقتي حول البرنامج ،واتضح لي أنني كنت على خطأ حيث صدمت كغيري بأن البرنامج يمدد وهو لم يحقق الأهداف التي رسمت له في المراحل السابقة مما دفع بكثير من خريجي البعثات لترديد» يا ليتنا من بعثتنا سالمين» على وزن» يا ليتنا من حجنا سالمين»، فالمؤسسات الحكومية ممثلة بالجامعات وغيرها لم تستوعب معظم مخرجات البرنامج ونبذت أبناء الوطن بحجج واهية وشروط تعسفية، فما الفائدة من استمرار البرنامج وإهدار كل هذه المليارات إذا كانت المؤسسات الحكومية ترفض مخرجاته ؟!!

الكيك والزحف المبارك!





في الأسبوع الماضي أرسل لي أحد القراء يطالبني بالحديث عن قضايا تهم الشباب العربي ويخص بالحديث النهم المبالغ فيه لمواقع التواصل الاجتماعي والتي أصبحت  في متناول يد كل مراهق عبر تطبيقات الهواتف الذكية. والحقيقة أنني كنت بصدد الكتابة عنها خاصة مع ملاحظتي للصعود الكبير للعرب في تلك المواقع واحتلالهم للمراكز الأولى..فهل هو من باب التميز أم من باب الفراغ أم من باب قلة وسائل الترفية في مجتمعاتنا؟!!
الغزو العربي لمواقع التواصل الاجتماعي بحسب تقرير عملي حديث صادر عن مركز مدار للأبحاث والتطوير يكشف عن احتلال السعودية للمركز الأول من حيث استخدام شبكات التواصل الاجتماعية وأن السعودية تساهم بـ28 بالمائة من المحتوى الرقمي العربي. وأظهر التقرير أيضاً احتلال مصر المرتبة الأولى عربيا والمرتبة 21 عالميا من حيث مستخدمي الفيس بوك إذا تجاوز عدد المستخدمين 11 مليون مستخدم فيما جاءت السعودية في المرتبة الثانية بما يربو على5 ملايين مستخدم تلتها المغرب في المركز الثالث بنحو 4 ملايين مستخدم. أما بالنسبة لتويتر فالسعودية تحتل المركز الأول عربيا من حيث نسبة مستخدمي تويتر فالسعوديون يقودون العالم العربي بأكثر من800 ألف مستخدم نشط يمثلون 37% يليهم الكويتيون بـ371 ألف مستخدم نشط يمثلون نسبة 17%. ثم مصر 296 ألف مستخدم نشط يمثلون نسبة 14% من مستخدمي تويتر النشطين في العالم العربي.
ولم يكتفي شبابنا بتلك الانتصارات وقرروا غزو موقع الكييك-الخاص بالتدوين المرئي- كما فعلوا في مواقع التواصل الأخرى ويحتلوا – كالعادة – الصدارة في قائمة أكثر دول العالم زيارة للموقع ونشرا لمقاطع الفيديو. وبحسب تقرير لصحيفة الاقتصادية السعودية يشكل السعوديين ثلث زوار الموقع بنسبة 33.2% يليهم الأمريكان بنسبة 19.5% وفي المركز الثالث الكويتيين بنسبة 6.3% ثم الإماراتيين بنسبة5.5% وفي المركز التاسع سلطنة عمان بنسبة 1.5%.
الغزوة الأخيرة للشباب العربي لم تكن موفقة كما حدث في تويتر والفيس بوك والتي أحدث فيها الشباب تأثيرا كبيرا وإيجابيا وقادوا التغيير في بلدانهم -كما حدث في ثورات الربيع العربي- فقلة قليلة استثمروا موقع الكيك لإبراز مواهبهم أو لتسجيل رسائل فيديو سامية تدعو للتبرع للفقراء والأعمال التطوعية بينما الغالبية العظمى من الشباب استثمروه في بث تسجيلات شخصية تتطرق لنوعية سياراتهم أو ماذا يأكلون أو التنمر والسخرية من المقاطع التي ينشرها بعض الزائرون خاصة من فئة الأطفال والمراهقين. بينما تستعرض معظم الفتيات في الموقع -مستعينات بالنقاب والشماغ لإخفاء هوياتهن- مواهبهن في الغناء والرقص والتعري فما الذي يريد أن يصل إليه هؤلاء الشباب والفتيات من بث تلك المقاطع المخجلة والمعيبة أهو طلب السخرية أم البحث عن الشهرة حتى لو كانت سلبية؟!
انتشار تلك المقاطع وبسرعة هائلة في مواقع التواصل الاجتماعي أثبت أن لدينا مشكلة في التعامل مع التقنيات الحديثة فبدلاً من استخدامنا واستثمارنا لإمكاناتها المذهلة وتوظيفها لإبراز مواهبنا وطرح الآراء والأفكار حول مختلف القضايا التي تهم الشباب يحول البعض نفسه إلى مادة للسخرية والتندر وخلال 36 ثانية !
نحن بحاجة ماسة لتجاهل موجة مقاطع الكيك التي ليس لها لا لون ولا طعم ولا حتى رائحة والتي تسيء لأصحابها وعائلتهم قبل مجتمعاتهم حتى لا نساهم في انتشارها وحتى يدرك أصحابها تفاهة أطروحاتهم فيراجعوا أنفسهم ويرتقوا بما ينشرونه من مقاطع.


استقيلوا ...يرحمكم الله


في كل مرة أطالع الأخبار التي تتناول استقالة مسؤول غربي بعد اكتشاف كذبه أو إهماله في عمله، أتساءل متى تنتقل إلينا ثقافة تقديم الاستقالة واعتذار المقصر عن إهماله في تأدية واجباته ؟ وهل حان الوقت لعقد المحاكمات للفاسدين ومحاسبتهم على تقصيرهم؟ أم أننا بحاجة لمئات السنين وملايين القتلى والمنكوبين في عالمنا العربي حتى ندع المجاملات جانباً ونعيد الأمور إلى نصابها ونحاسب المقصرين؟ ونقول للمخطئين استقيلوا يرحمكم الله وكونوا قدوة لغيركم.
تقديم الاستقالات أو الاعتذار الرسمي بعد فشل المسؤول في تأدية مهمة ما مهما كان حجمها تنتشر في المجتمعات الغربية التي تسود فيها ثقافة المحاسبة، ومحاربة الفساد فلا يستطيع المسؤول مهما علا شأنه أن يتنصل من مسؤولياته أو أن يهرب للخارج عند وقوع الكوارث الطبيعية ليمارس هواية صيد الغزلان بأنواعها حتى البشرية منها على أمل أن ينسى المنكوبون مأساتهم كما يحدث في عالمنا العربي، ولا يستطيع القاضي أو كاتب العدل هناك أن يرتشي و يقبض الملايين ثم يزعم أنه مسحور أو تلبسه جني إنجليزي يهوى جمع الأموال.فما أصعب الإستقالة الطوعية وما أسهل الإقالة القسرية في عالمنا العربي!!


الجمعة، 1 فبراير 2013

خطابة دوت كوم!


عندما استشارتني إحدى الزميلات في اللجوء لمواقع الزواج الإلكترونية وأرقام الخطّابات المنتشرة في عالم الفضاء الإلكتروني بحثاً عن عريس لابنتها التي تجاوزت الثلاثين دون أن تتزوّج أو يطرق بابها خاطب، شعرت بالصدمة والتعجّب فالأم من أكثر المعارضين لهذه الطريقة ولكن يبدو أن قلة الحيلة أعجزتها ولا تريد لابنتها أن تنتهي وحيدة وبلا أطفال. كانت الأم تشعر بالحرج من اللجوء لهذه الطريقة وترى أنها لا تليق بأسرتهم ولكنني شجّعتها على المضي في البحث عن عريس لابنتها وقلت لها: ما المانع فالعالم اليوم يتجه لتسخير التكنولوجيا لخدمة الإنسان في كل جوانب حياته، المهم أن تحرصوا على السؤال عن العريس وأخلاقه وعدم الاكتفاء بالمعلومات التي تقدّمها الخطابة سواء كانت خَطبة تقليدية أو إلكترونية، فالعائلة مسؤولة عن التحقق من صحة المعلومات التي تقدّم لهم والبحث في ماضي العريس حتى لا تقع ضحيّة للنصابين فتنتقل ابنتهم من لقب "عانس" إلى لقب "مطلقة" بسرعة الضوء فتكون كالمستجير من الرمضاء بالنار.


حديث زميلتي وقلقها على مستقبل ابنتها خاصة في ظل تأخرها في الزواج والإنجاب وما أسمعه من الصديقات وما أشاهده في مواقع الإنترنت من لجوء كثير من الفتيات والعائلات لأرقام الخطابات الإلكترونيات المنتشرة على الشبكة العنكبوتية بحثاً عن العرسان لبناتهم حتى الصغيرات منهن خوفاً من شبح "العنوسة الذي يطارد الكثير من الفتيات العربيات، يدفعني للتساؤل عن مدى انتشار هذه الظاهرة في عالمنا العربي خاصة في ظل ازدياد نسبة العنوسة بين الفتيات وارتفاع سن الزواج لدى الشباب ومدى تقبّل العائلات خاصة المحافظة منها لهذه الطريقة الحديثة والتي لا تختلف عن الطريقة التقليدية عدا كونها أصبحت أكثر مرونة وعابرة للقارّات، فالعائلة في السابق تكتفي بما تعرضه الخطابة التقليدية من صور العرسان ومواصفاتهم والذين لا يتجاوزن حدود الحي أو المدينة التي تسكن بها والآن أصبح بإمكان العائلة البحث عن عريس لابنتها سواء داخل أو خارج البلد، والأمر في النهاية مرهون بجديّة الخطابة وحرصها على جمع رأسين بالحلال وليس الحرص على جمع المادة -كما يتهمن عادة-. والمجال أصبح الآن يشهد منافسة كبيرة من قبل بعض الرجال خاصة أن المقابل المادي في بعض الحالات يكون مرتفعاً. وفي ظل الطلب المستمر من قبل الفتيات على العريس الثري وصاحب الجاه شهدنا ما يسمّى بخطابات وخطابين الشيوخ وعلية القوم والذين يصل أسعارهم في بعض الحالات لعشرات ومئات الآلاف ومقابل تدبير"عريس لقطة" وصاحب منصب وجاه، على الفتاة وعائلتها أن تدفع الأموال الطائلة لتنال المراد، وأصبحنا نقرأ إعلانات عن زواج شرعي معلن أو زواج مسيار وغيرها من المسمّيات التي يتحفنا بها هؤلاء الخطابين والخطابات في إعلاناتهم المنتشرة في عدد من المواقع.

ورغم أن معظم العائلات سواء كانت من الطبقة الراقية أو الكادحة لا تعترف صراحة أمام الأقارب والمعارف بأن العريس جاء من خلال خطابة- سواء كانت تقليدية أو إلكترونية- خوفاً من النظرة الدونيّة للفتاة ووصمها بالعانس وتكتفي بالإشارة إلى القسمة والنصيب حتى لو كان العريس من بلد أو قارّة أخرى، ورغم أن النظرة للخطابات ولمن تلجأ لهن لا تزال كما هي في مجتمعاتنا العربية إلا أن هناك إقبالا على الخطابات والخطابين المنتشرين على الشبكة العنكبوتية وبكثرة طمعاً بالحصول على عريس، خاصة أن بعض العائلات -سواء في البلدان العربية أو المهجر- ليس لديها إلا القليل من الأقارب والمعارف، ممّا يقلل من فرص الحصول على عريس مناسب لإحدى بناتهم.
ذات مرّة أبحرت في الشبكة العنكبوتية واطلعت على الإعلانات الغزيرة سواء للخطابات أو الفتيات وكانت معظم الطلبات من فتيات صغيرات بالسن وليس كما يشاع عادة بأن أكثر من يطلب خدمات الخطابات من فئة العوانس والأرامل والمطلقات واللاتي عفا عليهن الزمن وهذا ممّا أثار حيرتي! فهل تلجأ الفتاة خاصة من تكون دون الخامسة والعشرين لخدمات الخطابة الإلكترونية بحثاً عن الزواج والحياة المستقرّة أو بحثاً عن التسلية.. خاصة أن معظم الإعلانات خياليّة أو تركز على المنصب والجاه والوسامة دون الاهتمام بالأخلاق والدين؟

إن وجود الخطابة سواء كانت زائرة للمنازل أو مبحرة في الشبكة العنكبوتية لن يختفي من مجتمعاتنا العربيّة خاصة في ظل رفض كثير من العائلات لاختيار الشاب أو الفتاة لشريك الحياة والاكتفاء بخدمات الخطابة والمعارف للجمع بين رأسين في الحلال، ولا أهاجم أو أؤيد هنا أي من الطريقتين ولكنني أشعر بأن على العائلات مسؤوليّة كبيرة في البحث عن خطابات على قدر من المسؤوليّة والجديّة خاصة أن كثيرا من الخطابات لا تحرص على مصلحة الفتاة بل على الحصول على أجرها ممّا قد ينعكس سلباً على الفتاة ومستقبلها. ولطالما لا توجد قوانين تحد من الخطابات والخطابين العابثين والباحثين عن المال وتنظم العاملين في هذا المجال وتراقب أنشطتهم، فحبذا لو تنشأ جمعيات مؤهلة ومختصة مهمتها إنقاذ الفتيات والأسر من الاستغلال وتساهم في سعادة الفتيات والشباب على حد سواء

Twitter Delicious Facebook Digg Favorites More